لم تكن البريطانية جين أوارتسي من مستخدمي تطبيقات نقل إلكترونية في المملكة المتحدة ولا طرفاً في عقد مع شركة تأجير دراجات، غير أنّها وجدت نفسها ضحية دراجة كهربائية مستأجرة من خدمة" لايم" كان يقودها طفل يُعتقَد أنّه كان حينها في العاشرة من عمره، وذلك في أحد ميادين وسط لندن المخصّصة للمشاة.
وكانت الحادثة قد وقعت في أغسطس/آب من عام 2023، في ساحة سانت جايلز بالعاصمة لندن، أُصيبت فيها أوارتسي بكسور خطرة في عظم الفخذ والترقوة والعمود الفقري، وخضعت لعمليات جراحية وعلاج طويل.
ولم تحصل المرأة البريطانية على أيّ تعويض من الشركة المشغّلة لدراجات" لايم" الكهربائية، وفقاً لما أفادت به تقارير في هذا الشأن، في حين أنّ التحقيقات لم تؤدِّ إلى أيّ إجراء قانوني ضدّ راكب الدراجة، وقد أفادت" لايم" حينها بأنّ الدراجة الكهربائية المتورّطة في الحادثة كانت تُستخدَم بطريقة غير قانونية وأنّ مستخدمها لم يكن مسجّلاً.
وتعود قصة أوارتسي إلى الواجهة، إذ تتداولها الصحافة البريطانية اليوم بالتزامن مع نقاش أوسع في لندن حول تشديد تنظيم قطاع الدراجات الكهربائية التي لا تتوفّر لها محطات ركن، وسط مخاوف متزايدة من تأثير مثل هذه الدراجات على سلامة المشاة.
يُذكر أنّ أحداً لا يستطيع تفويت دراجات" لايم" في لندن بلونها الأخضر الزاهي، فخدمة تأجير الدراجات والسكوترات الكهربائية هذه تُعَدّ من الأشهر في العاصمة البريطانية، لا سيّما أنّ في إمكان مستخدمها أن يستأجرها ويركبها ثمّ يركنها من جديد في أيّ بقعة من منطقة خدمتها، من دون أن يكون ملزماً بمحطات محدّدة، مع العلم أنّ إزالة قفلها تجرى عن طريق مسح رمز الاستجابة السريعة الموزّدة به.
وهذه الدراجات التي تنتشر في نحو 230 مدينة حول العالم، تهدف إلى" بناء مستقبل يكون فيه النقل تشاركياً، من دون انبعاثات كربون، وبتكلفة مقبولة".
لكنّ القضية في لندن اليوم تتجاوز" لايم"، إذ تكشف فوضى على نطاق أوسع في المدينة حيث تتداخل الدراجات الكهربائية المستأجرة مع دراجات خاصة ومعدّلة قد تتحرّك بلا تسجيل ولا تأمين ولا قدرة واضحة على تحديد المسؤولية في حال وقوع أيّ حادثة.
وفي هذه المساحة الرمادية، يجد الضحايا أنفسهم أمام مسار غامض للتعويض والمساءلة، خصوصاً عندما يكون راكب الدراجة قاصراً أو غير مؤمّن على سبيل المثال.
وتعكس المخاوف المرتبطة بالدراجات والسكوترات الكهربائية تحوّلها من وسيلة نقل صديقة للبيئة إلى ملفّ تُطرَح فيه السلامة المرورية.
في هذا الإطار، يقول مصدر لدى مؤسسة" ذا رود سيفتي تراست" لـ" العربي الجديد" إنّ" إحدى الوظائف الأساسية لمؤسستنا هي توفير التمويل لمشاريع ترصد مخاطر ناشئة على الطرقات، مع العمل لإيجاد حلول فعّالة لتحسين سلامة جميع مستخدمي الطرقات".
ويُقصَد بمستخدمي الطرقات المشاة وراكبو الدراجات الهوائية وراكبو الخيول ومستخدمو السكوترات وسائقو السيارات وسائقو الشاحنات والشاحنات الصغيرة المقفلة (فان) وراكبو الدراجات النارية، وكذلك راكبو الدراجات الكهربائية، بحسب ما توضح المؤسسة على موقعها الإلكتروني.
وتعرّف هذه المؤسسة الخيرية نفسها بأنّها أكبر جهة مانحة مستقلّة لمبادرات السلامة على الطرقات في المملكة المتحدة، وذلك بهدف الحدّ من الوفيات والإصابات.
ويوضح المصدر نفسه لدى" ذا رود سيفتي تراست" لـ" العربي الجديد" أنّ مؤسسته" تموّل في الوقت الراهن مشروعاً تنفّذه جامعة ليدز البريطانية، يبحث تحديداً في السلوكيات المعادية للمجتمع ومخاطر السلامة المرورية المرتبطة بوسائل التنقّل الكهربائية، بما في ذلك الدراجات والسكوترات الكهربائية"، مشيراً إلى أنّهم يتطلّعون إلى" نشر نتائج هذا البحث المهمّ بعد انتهاء المشروع في نهاية العام الجاري".
وبين المخاوف التي تثيرها الدراجات الكهربائية في مدينة مزحمة مثل لندن وأهمية وسائل مماثلة، إذ توفّر تنقّلاً سريعاً وأقلّ تلويثاً، تبرز المشكلات عندما يتوسّع استخدامها من دون قواعد كافية لحماية المشاة، لا سيّما من كبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة والمكفوفين وضعفاء البصر.
ولا تقتصر الشكاوى على القيادة الخطرة، بل تشمل كذلك ركن الدراجات عشوائياً على الأرصفة وبالقرب من نقاط العبور والمداخل.
وتوضح الهيئة المحلية الحاكمة في العاصمة" سيتي أوف لندن كوربوريشن" (مؤسسة مدينة لندن) أنّ مستخدمي الدراجات الكهربائية التي لا تتوفّر لها محطات ركن قد يواجهون تحذيرات أو غرامات أو حظراً من التطبيق الإلكتروني الخاص بها عند ركنها بطريقة تعيق الحركة.
لكنّها تشير في الوقت نفسه إلى أنّ الخدمات المماثلة ما زالت غير مشمولة بتشريع محدّد، وأنّ التعامل معها يجرى عبر مذكّرات تفاهم مع الشركات المشغّلة.
وتبدو المشكلة أكثر حساسية بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعتمدون على الأرصفة بوصيفها مساحة آمنة لا غنى عنها.
وتقول المتخصصة في التواصل لدى مؤسسة" غايد دوغز" (كلاب الإرشاد) الخيرية هانا وورد لـ" العربي الجديد" إنّ" الأشخاص فاقدي البصر يعتمدون على أرصفة واضحة ومصانة جيداً للتنقّل بأمان واستقلالية.
لكنّ الدراجات الكهربائية سريعة وقوية، وقد تكون شبه صامتة عملياً.
وعندما تُقاد على الأرصفة، يمكن أن تمثّل مخاطر جدية على هؤلاء، إذ إنّهم قد لا يتلقّون أيّ إنذار يُذكَر باقتراب دراجة".
تجدر الإشارة إلى أنّ" غايد دوغز" تُعنى بتوفير كلاب لإرشاد الأشخاص المكفوفين أو ضعفاء البصر، تساعدهم في تنقلاتهم فلا يضطرون إلى الاعتماد على أشخاص آخرين في ذلك، فيحافظون بالتالي على استقلاليتهم.
وتُبيّن وورد أنّ" ركن الدراجات الكهربائية كيفما اتّفق وتركها في أيّ مكان من شأنهما أن يعرقلا الحركة على الأرصفة، أو يمثّلا خطر تعثّر، أو يجبرا الناس على النزول من الأرصفة إلى الطرقات، وهناك قد لا يتنبّهون إلى حركة مرور آتية في اتجاههم لعدم قدرتهم على رؤيتها".
وتتابع أنّ هذه العوائق قد تجعل" التنقلات اليومية أكثر صعوبة وتوتّراً وأقلّ قابلية للتوقّع، الأمر الذي من شأنه أن يقوّض ثقة الأشخاص الذين يعانون من فقدان البصر واستقلاليتهم".
وتشدّد وورد على أنّه" مع استمرار تنامي استخدام الدراجات الكهربائية، من الضروري أن يستخدمها ركابها بمسؤولية، وأن تُفهَم القواعد الحالية وتُطبَّق على نحو سليم"، مشيرةً إلى أنّ جمعية" غايد دوغز" تواصل العمل مع الحكومة البريطانية والسلطات المحلية والشركات المشغّلة والشرطة، وتتطلّع إلى تطوير نظام الترخيص المرتقب لبرامج تأجير الدراجات والسكوترات الكهربائية" من أجل ضمان وضع ضوابط مناسبة على استخدامها".
وكانت لندن قد عاشت على مدى سنوات وسط نظام مجزّأ في التعامل مع الدراجات الكهربائية التي لا محطات ركن لها، إذ كانت كلّ بلدية تعقد اتفاقاتها المحلية مع الشركات، من دون إطار موحّد ينظّم العدد والتوزيع وعمليات الركن ومعايير السلامة والمساءلة.
لكنّ الملف دخل مرحلة جديدة في عام 2026، بعدما صرّح عمدة لندن صادق خان بأنّ قانون التفويض والتمكين المجتمعي الإنكليزي يتيح الانتقال نحو نظام ترخيص موحّد على مستوى العاصمة، مع الحاجة إلى خطوات إضافية من وزارة النقل قبل أن تبدأ هيئة" ترانسبورت فور لندن" (النقل في لندن) بتطبيق هذا الدور.
لكنّ هذه الصلاحيات تعالج أساساً سوق الدراجات المستأجرة، فيما تبقى أوضاع الدراجات الكهربائية الأخرى أكثر تعقيداً.
ففي مايو/ أيار من عام 2026، حذّر المجلس الاستشاري البرلماني لسلامة النقل (باكتس) من الدراجات الكهربائية غير المطابقة لمعايير" إي إيه بي سي" القانونية الخاصة بالدراجات الهوائية المزوّدة بمساعدة كهربائية، علماً أنّ المركبات التي تتجاوز هذه الحدود تعامل قانونياً بوصفها مركبات آلية تتطلّب التسجيل والتأمين والترخيص في حال استخدامها على الطرقات العامة.
يأتي ذلك في حين أنّ المركبات غير المطابقة تُستخدَم بصورة متزايدة، من دون تسجيل ولا تأمين ولا ترخيص، وكونها تشبه الدراجات القانونية يجعل إنفاذ القانون أكثر صعوبة، فيما يُضعف غياب التسجيل القدرة على محاسبة مستخدمها.
كذلك يُربَط انتشارها باقتصاد التوصيل السريع أو خدمات" الديليفيري"، وسهولة شراء أدوات التعديل عبر الإنترنت، واستخدامها من قبل الأطفال والشبّان، وأحياناً بسلوكيات معادية للمجتمع.
وهكذا تتوسّع القضية، من دراجات شركات مشغّلة من قبيل" لايم" يمكن تتبّعها نظرياً عبر الحسابات والتطبيقات، إلى دراجات خاصة أو معدّلة قد تصدم عابراً ثمّ تختفي من دون رقم تسجيل أو شركة أو تأمين.
ووسط ذلك، يصير تعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين مساراً أكثر غموضاً.
لذلك، لا يبدو مطلب التنظيم عداءً للنقل النظيف، بل شرطاً لاستمراره.
والمطلوب بالتالي هو نظام يربط ما بين السلامة والتأمين والتتبّع والمساءلة؛ تحقّق أوضح من السنّ ومنع استخدام الأطفال لحسابات البالغين، وقواعد موحّدة لعمليات الركن، وقوانين ضدّ القيادة على الأرصفة ومعالجة خاصة للدراجات المعدّلة، حتى لا يتحوّل الرصيف إلى مساحة خطر يدفع ثمنها المشاة من أجسادهم واستقلالهم وحقّهم في تعويض عادل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك