أخطر ما في الأزمة الحالية المشتعلة داخل منطقة الشرق الأوسط والمتعلقة بارتدادات الحرب على إيران هو ما يتعلق بتفشي حالة الغموض واللايقين وضعف التنبؤ، وارتفاع منسوب كل أنواع المخاطر، واختفاء الوضوح والمعلومة الدقيقة في مواقف الدول المتحاربة وغيرها، ومعها تحولت الأمور شبه المؤكدة والمؤشرات شبه الثابتة في السابق إلى مجرد تكهنات وتخمينات.
وما يزيد" الطين بلة" أن تلك الحالة التي تمثل خطراً شديداً على الاقتصاد العالمي ومناخ الاستثمار وأسواق المال وقطاعات وأنشطة حيوية تصاحبها عادة تقلبات حادة في التوقعات المستقبلية مع إجراء تعديلات دورية بشأنها من وقت لأخر، وتذبذبات عنيفة بالنسبة لأسعار السلع الحيوية مثل الغذاء والنفط والغاز، وهو ما يعقد المهمة أمام متخذي القرار حول العالم الذي يواجه صعوبات شديدة في رسم السياسات المالية والاقتصادية والنقدية، ويفشل حتى في وضع تنبؤات وخطط على المستوى القصير والمتوسط، بل وأحيانا الطويل، وقد تدفع الحالة حكومات من التحول من التخطيط التنموي والاستراتيجي طويل الأجل إلى إدارة الأزمات الطارئة والعمل اليومي كما يحدث في بعض الدول، وهنا تكون التكلفة باهظة للدول والمجتمعات والمستهلكين، لأن المواطن هو من يدفع كلفة الغموض والمخاطر المرتفعة في النهاية في صورة ضرائب ورسوم وموجات غلاء وضغوط معيشية وعجز في الموازنة العامة.
أخطر ما في الأزمة الحالية المشتعلة داخل منطقة الشرق الأوسط والمتعلقة بارتدادات الحرب على إيران هو ما يتعلق بتفشي حالة الغموض واللايقين وضعف التنبؤوهذا الأمر نلمسه بوضوح في التطورات الجارية في المنطقة، فالدنيا تنقلب رأساً على عقب بين ليلة وضحاها، وبعد أن شهدت المنطقة تراجعاً ملحوظاً في مستوى المخاطر الجيوسياسية والأمنية في الأسابيع الماضية، عادت أجواء الحرب إلى المنطقة، ومعها وجدنا قصفاً عسكرياً وتبادلاً لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وبعد أن كان العالم يتعامل مع الهدنة المؤقتة على أنها تمهد الطريق أمام اتفاق دائم، تحولت تلك الهدنة إلى هشة عقب إعلان دونالد ترامب المفاجئ إلغاءها والتعامل معها كأنها لم تكن، وإعطاء قواته تعليمات بضرب إيران.
هذه الحالة تنعكس سلباً على التوقعات الصادرة عن كبريات المؤسسات المالية حول العالم وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، فهذه المؤسسات تفشل في وضع سيناريوهات واقعية لمستقبل الاقتصاد العالمي للعام الجاري والأعوام المقبلة، وتفشل في وضع مؤشرات تقريبية سواء لمعدلات النمو أو التضخم وأسعار الفائدة والتشغيل حول العالم، ولذا تعدل توقعاتها من وقت إلى آخر وبشكل سريع تبعاً لدرجة المخاطر الجيوسياسية، وهنا نجد أن التوقعات الصادرة بشأن اتجاهات أسعار النفط من قبل أكبر بنوك الاستثمار العالمية يجرى تغييرها من يوم إلى آخر، وكذلك الحال بالنسبة لأسعار الذهب والمعادن النفيسة والسلع الغذائية.
الحالة تمتد أيضاً إلى البنوك المركزية العالمية التي تجد صعوبة كبيرة في رسم سياساتها النقدية وإدارة ملف التضخم والسيولة بدقة، فهل سترفع أسعار الفائدة، أم تخفض الفائدة أم تثبت السعر؟ لا أحد يعرف، وهل العالم مقبل على موجة تضخمية، أم أن وقف الحرب على إيران سيمتص تلك الموجة؟كبريات المؤسسات المالية فشلت في وضع سيناريوهات واقعية لمستقبل الاقتصاد العالمي للعام الجاري والأعوام المقبلة وفشلت في وضع مؤشرات تقريبية لمعدلات النمو أو التضخم وأسعار الفائدةوهل العالم مقبل على فترة ركود تضخمي يجمع بين النمو السلبي والبطالة المرتفعة والتضخم الجامح، وربما انهيار اقتصادي يشبه ما جرى في العام 2008 حين اندلاع أسوأ أزمة مالية عرفها التاريخ، أم ستُطوى فترة الحرب على إيران بسرعة، وبعدها يشهد العالم انطلاقة اقتصادية تصاحبها زيادة في معدلات النمو، وفرص إنتاج وتشغيل أكبر، وتراجع في أسعار السلع وتكاليف المعيشة؟حتى أسعار الأغذية التي عادة ما تشهد نوعاً من الاستقرار، فإنّ المخاطر الأمنية في منطقة الشرق الأوسط أضافت عنصر ضغط جديداً إلى سوق الحبوب، فضلاً عن المخاطر الحالية، وفي مقدمتها الكوارث الطبيعية والتغير المناخي وموجة الحر الشديد، التي باتت تتفشى في دول العالم، وفي المقدمة كبار منتجي الأغذية مثل أوروبا وروسيا وأستراليا.
لا شيء مؤكداً في هذا العالم في فترة ما بعد الحرب على إيران، فاليقين غائب والتكهنات غير دقيقة والثبات يغيب تماماً عن التوقعات والمشهد، والعالم كله يدفع كلفة هذا" التيه" الأمني والاقتصادي والمالي الذي أدخلنا فيه دونالد ترامب، ولا نعرف متى نودع هذا التيه الذي يعد ساكن البيت الأبيض وشركاته أبرز المستفيدين منه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك