ثمة محطات في مسار الأمم، تتحول فيها مواقف الخارج إلى مرآة حقيقية، لا تعكس مصالح الآخرين بقدر ما تكشف لنا حقيقة حالنا، فالدول تتحدث دائماً من واقع مصالحها، والمنظمات الدولية تصوغ مواقفها وفق ما تراه على الأرض، أما الشعوب الواعية، فدورها الطبيعي يكمن في تجاوز حدود التفسير السطحي لتلك المواقف، لتجعل منها نافذة تقرأ عبرها انعكاس تجربتها، وتستخلص منها دروساً تصحح بها مسارها.
ومن هذا المنظور، لم تكن جلسة مجلس الأمن الأخيرة بشأن السودان مجرد اجتماع دوري لمناقشة الحرب، ولم تكن كلمات المندوبين مجرد مواقف دبلوماسية متوقعة.
كانت، في جوهرها، مرآة عكست كيف أصبح العالم يرى السودان بعد أكثر من سبع سنوات على ثورة ديسمبر، وأكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب.
فالقيمة التحليلية لتلك الجلسة تكمن في قراءة الكلمات والمسكوت عنه في آن معاً؛ حيث تبرز بوضوح الأولويات الدولية الجديدة، والتحولات العميقة التي طرأت على نظرة المجتمع الدولي للأزمة السودانية بين السطور.
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن السودان يبدأ بالتحول المدني الديمقراطي.
كانت هذه العبارة تتصدر بيانات الأمم المتحدة، وتصريحات المسؤولين، ولقاءات العواصم المؤثرة.
وكان العالم يرى في السودان تجربة فريدة، فجاء دعمه وتأييده صدىً لنموذجٍ ملهمٍ نجح عبره السودانيون، في لحظة فريدة، في تجاوز انتماءاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، والالتفاف حول هدف وطني واحد، فصنعوا حالة من الوحدة الشعبية جذبت احترام العالم قبل أن تجذب اهتمامه.
لم يكن اعتصام القيادة العامة مجرد ساحة احتجاج، بل كان رمزاً لميلاد مشروع وطني جامع.
كان العالم يرى شعباً يختلف في التفاصيل، لكنه يتفق على الاتجاه.
ويرى شباباً يبتكرون أدوات جديدة للنضال السلمي، وقوى سياسية ومدنية استطاعت، رغم تبايناتها، أن تقدم نفسها بوصفها جزءاً من مشروع أكبر منها جميعاً.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحول ساحة الاعتصام إلى محطة يقصدها الدبلوماسيون، والمسؤولون الدوليون، ووسائل الإعلام، وأن يحظى السودان بزخم سياسي ودبلوماسي واقتصادي غير مسبوق.
غير أن الزخم السياسي والصور الملهمة لا تصمد طويلاً أمام حقائق الواقع؛ فالتاريخ لا يحفظ الإنجازات إلا بقدر ما يمتلك أصحابها من قدرة على حمايتها وتطويرها.
فكل مشروع وطني يواجه، بعد لحظة الانتصار الأولى، امتحاناً أصعب من إسقاط النظام الذي خرج ضده؛ امتحان القدرة على إدارة اليوم التالي.
وهنا بدأت نقطة التحول الحقيقية.
فقد نجح السودانيون، كما نجحوا في مرات سابقة من تاريخهم، في إسقاط نظام كان يبدو راسخاً، لكنهم لم يكونوا بالقدر نفسه من الاستعداد لإدارة المرحلة التي أعقبت ذلك الإنجاز.
لم يكن ينقصهم الإخلاص، ولا الرغبة في بناء وطن جديد، لكنهم افتقدوا المشروع المشترك الذي يحافظ على تماسكهم بعد انتهاء المعركة الأولى؛ فالوحدة العاطفية التي صنعت الثورة، ورغم كونها البداية الطبيعية لكل الحراكات الكبرى، تظل عاجزة عن بناء الدول ما لم تنضج لتتحول إلى رؤية استراتيجية، ومؤسسات راسخة، وقواعد واضحة لإدارة الاختلاف والممارسة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الصورة التي يراها العالم تتغير تباعاً مع تغير الواقع السوداني نفسه، والذي لم يعد يشبه ذلك النموذج الملهم الذي ولد في ديسمبر.
من هنا تحديداً، نملك المفتاح الحقيقي لقراءة كل ما جاء بعد ذلك، وصولاً إلى جلسة مجلس الأمن الأخيرة، إذ إن التحول في الصورة التي صنعتها ثورة ديسمبر يعود بالدرجة الأولى إلى تبدل الواقع على الأرض، وليس لتبدل مفاجئ في قيم الديمقراطية أو مصالح الدول الكبرى.
فاللحظة التي وحدت السودانيين حول هدف وطني جامع تراجعت مبكراً، ليبدأ المشروع المولود من رحم تلك الوحدة بفقدان أهم عناصر قوته تدريجياً.
لم تكن المشكلة في ظهور الخلافات، فالاختلاف سنة ملازمة لأي تجربة سياسية، ولا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا تعدد في الرؤى والاجتهادات.
لكن الفرق كبير بين الاختلاف الذي يثري المشروع الوطني، والاختلاف الذي يحوله إلى مشاريع متنافسة.
ففي السنوات الأولى بعد الثورة، لم تعد الأولوية دائماً هي كيفية إنجاز أهداف ديسمبر، وإنما أصبحت، في كثير من الأحيان، لمن يقود، ومن يمثل، ومن يملك الشرعية، ومن يتحدث باسم الثورة.
ومع مرور الوقت، تمددت هذه الخلافات حتى أصبحت تستنزف جزءاً كبيراً من طاقة القوى المدنية، بينما كانت القضايا التي جمعتها في البداية تتراجع إلى الخلف.
وفي الوقت نفسه، كانت القوى التي فقدت السلطة تقرأ المشهد بطريقة مختلفة.
فهي لم تتعامل مع سقوط النظام باعتباره نهاية الصراع، وإنما باعتباره بداية مرحلة جديدة تستوجب إعادة تنظيم الصفوف، واستثمار كل ثغرة، والبناء على كل خلاف، والعمل بصبر لاستعادة المبادرة.
لم يكن ذلك نتيجة تفوق سياسي بقدر ما كان نتيجة وضوح في الهدف، واستمرار في العمل، بينما كان معسكر الثورة يزداد انشغالاً بخلافاته الداخلية.
ولعل الدرس الأهم في هذه التجربة أن الثورة، في لحظة انتصارها، كانت مستعدة لإسقاط النظام أكثر مما كانت مستعدة لإدارة ما بعد سقوطه.
فقد نجح السودانيون في إنجاز المهمة الأولى بجدارة، لكنهم لم يمتلكوا، بالدرجة نفسها، تصوراً متفقاً عليه لبناء الدولة الجديدة، أو لإدارة التنوع السياسي الذي أفرزته الثورة نفسها.
ومع غياب هذا التصور، أصبحت كل محطة انتقالية ساحة جديدة للخلاف، وأصبح الاتفاق على بناء الصلاح أصعب من الاتفاق على إزالة الفساد.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه تجاوز حدود الخلاف بين مكونات القوى المدنية، ليصبح عاملاً مباشراً أثر في مجرى المرحلة الانتقالية نفسها.
فالوحدة التي صنعت قوة الثورة في بدايتها لم تكن مجرد حالة عاطفية، بل كانت أيضاً مصدر الحماية الأكبر للمسار الانتقالي.
وكلما ضعفت هذه الوحدة، اتسعت المساحة أمام القوى التي كانت تعمل على إنهاء ذلك المسار.
ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى الانقلاب، ثم إلى الحرب التي أعقبته، باعتبارهما حدثين منفصلين عما سبقهما، فقد جاءا في سياق كانت فيه القوى المدنية قد فقدت جانباً مهماً من قدرتها على حماية مشروعها، بعد أن فقدت كثيراً من وحدته.
إذ لم يقف أثر هذا التراجع عند إضعاف المشروع المدني، بل امتد إلى مجرى الأحداث نفسه.
فحين تضعف الجبهة التي تحمل مشروع الانتقال، يصبح المسار الانتقالي كله أكثر عرضة للاهتزاز.
ومن هذه الزاوية، يبدو الانقلاب العسكري امتداداً لأزمة كانت تتشكل تدريجياً، وليس مجرد عارض معزول عن سياقه.
ثم جاءت الحرب بعد ذلك لتكشف حجم الخلل الذي أصاب الدولة، وحجم الفراغ الذي تركه غياب مشروع وطني قادر على جمع السودانيين حوله من جديد.
ولا يعني ذلك أن الانقلاب أو الحرب يمكن اختزالهما في سبب واحد، أو ردّهما إلى خلافات القوى المدنية وحدها.
فالأزمة السودانية كانت، ولا تزال، أكثر تعقيداً من أن تُفسر بعامل واحد.
لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن تراجع وحدة القوى التي حملت مشروع الثورة أضعف قدرتها على حماية الفترة الانتقالية، وفتح المجال أمام قوى أخرى لتفرض إيقاع الأحداث، حتى أصبحت هي التي تحدد مسار الأزمة، بينما وجدت القوى المدنية نفسها، في كثير من الأحيان، تتعامل مع وقائع يصنعها غيرها أكثر مما تسهم هي في صناعتها.
ولم تكن هذه مجرد مشكلة داخلية تخص القوى المدنية وحدها، بل كانت عاملاً أعاد تشكيل الطريقة التي ينظر بها العالم إلى السودان.
فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع الشعارات، وإنما مع الوقائع.
وعندما كان يرى كتلة وطنية واسعة، وهدفاً واضحاً، وقيادة تستطيع أن تتحدث باسم قطاع كبير من السودانيين، كان من الطبيعي أن يجعل دعم التحول المدني في مقدمة أولوياته.
أما عندما أصبح المشهد أكثر تشتتاً، وتعددت المرجعيات، وغابت الرؤية المشتركة، فقد أصبح يبحث أولاً عن كيفية منع انهيار الدولة، وتأجيل القضايا المصيرية الكبرى إلى حين استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وهو تحول لا يبدو بعيداً عن إحدى أهم النتائج التي أفرزتها الحرب، بل وربما أحد الأهداف التي أعلنها صراحة بعض الأطراف التي رأت في مشروع الانتقال المدني تهديداً مباشراً لها؛ إذ أعادت الحرب صياغة موازين القوى العسكرية، وبالقدر نفسه، بدلت ترتيب الأولويات في الداخل والخارج.
وهنا تحديداً بدأ التحول الذي ستكشفه جلسة مجلس الأمن الأخيرة بوضوح.
فهي لم تصنع هذا الواقع، ولم تكن سبباً فيه، وإنما جاءت لتعكسه.
ولذلك فإن قراءة تلك الجلسة لا ينبغي أن تبدأ بما قالته الدول الكبرى، وإنما بما آلت إليه التجربة السودانية نفسها، لأن ما قيل في نيويورك كان، في جانب مهم منه، انعكاساً لما حدث في الخرطوم.
وعندما نصل إلى جلسة مجلس الأمن الأخيرة، يصبح من الأسهل أن نفهمها في سياقها الصحيح.
فهي لم تكن لحظة غيرت اتجاه الأزمة السودانية، وإنما لحظة كشفت بوضوح كيف أصبحت تُقرأ دولياً.
فالخطابات التي استمعنا إليها لم تكن متطابقة، كما لم تكن دوافع الدول واحدة، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً كان أن السودان لم يعد يُنظر إليه من زاوية الانتقال السياسي وحده، وإنما من زاوية دولة تواجه خطر الاستنزاف والانقسام، وتحتاج أولاً إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على ما تبقى من مؤسساتها.
وكان الخطاب الروسي الأكثر وضوحاً في التعبير عن هذه الرؤية.
فمنذ بداية الحرب، اتخذت موسكو موقفاً داعماً للحكومة في بورتسودان، انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها الاستراتيجية في السودان، سواء في البحر الأحمر، أو في مجالات التعدين، أو في حضورها السياسي والأمني في المنطقة.
وفي الجلسة الأخيرة لم تكتفِ روسيا بتجديد هذا الدعم، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما تحدثت بثقة عن أن تجربة عام 2019 لن تتكرر، وقدمت الحكومة القائمة بوصفها الطرف الذي يحافظ على مؤسسات الدولة ويملك الشرعية اللازمة للتعامل مع المجتمع الدولي.
قد يكون من السهل أن نرفض هذا الخطاب، أو أن نفسره باعتباره امتداداً للمصالح الروسية وحدها.
ولا شك أن المصالح حاضرة بقوة في السياسة الدولية، لكن الاقتصار على هذا التفسير يحجب جانباً آخر لا يقل أهمية.
فثقة موسكو في تقديم هذا الخطاب نابعة بالدرجة الأولى من قراءتها لواقع سوداني مستجد، يختلف تماماً عن ذلك الذي عاصرته في عام 2019.
ففي ذلك الوقت، كان أمام العالم مشروع مدني واسع، وكتلة شعبية متماسكة، وقيادة سياسية تستطيع، بدرجات متفاوتة، أن تعبر عن تطلعات الثورة.
أما اليوم، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً، وأكثر انقساماً، وأقل قدرة على تقديم بديل وطني متفق عليه.
ولم تكن روسيا وحدها التي قرأت هذا التحول، وإن كانت الأكثر صراحة في التعبير عنه.
فالصين، التي ترتبط بالسودان بعلاقات اقتصادية واستراتيجية عميقة، ركزت على استقرار الدولة، ووحدة مؤسساتها، وربطت بين الأمن والتنمية، وهو ربط ينسجم مع رؤيتها لمصالحها واستثماراتها في السودان.
أما الدول الغربية، فرغم استمرارها في الحديث عن العملية السياسية والحكم المدني، فإن خطابها أصبح ينطلق، قبل كل شيء، من وقف الحرب، والاستجابة للكارثة الإنسانية، والبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بإعادة إطلاق العملية السياسية.
وعلى اختلاف هذه المواقف، فإنها جميعاً تعكس حقيقة واحدة؛ وهي أن العالم يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يراه على الأرض، لا وفق ما نتمناه نحن.
وبينما كانت الحكومة في بورتسودان تتحرك على أكثر من محور، وتحافظ على قنوات اتصال مع موسكو وبكين، وفي الوقت نفسه لا تتوقف عن مخاطبة واشنطن، والعواصم الأوروبية، والدول العربية والإفريقية، ظل جانب معتبر من الجهد الدبلوماسي للقوى المدنية موجهاً إلى دوائر محددة، دون أن يحظى التواصل مع بعض مراكز التأثير الأخرى بالقدر نفسه من الاهتمام.
وليس المقصود من هذه الملاحظة الإشادة بأداء طرف أو الانتقاص من آخر، وإنما الإشارة إلى درس سياسي مهم؛ فالدبلوماسية لا تقوم على مخاطبة من نتوقع تأييده فقط، بل على الحوار أيضاً مع من نختلف معه، لأن موازين القوى لا تتشكل داخل دائرة واحدة، وإنما عبر شبكة واسعة من المصالح والعلاقات.
ولعل هذه واحدة من المراجعات التي تفرضها علينا قراءة جلسة مجلس الأمن الأخيرة.
فالمعركة السياسية لا تُدار داخل الحدود الوطنية وحدها، كما أنها لا تُحسم في العواصم الخارجية وحدها.
إنها عملية متصلة، يبدأ فيها بناء الموقف من الداخل، ثم يُستكمل بحسن إدارة العلاقات مع الخارج.
وكلما كان المشروع الوطني أكثر وضوحاً وتماسكاً، ازدادت قدرته على مخاطبة مختلف الأطراف، حتى تلك التي لا تشاركه رؤيته أو مصالحه.
إذا كانت هذه التجربة قد كشفت شيئاً، فهي لم تكشف ضعف السودانيين على صناعة التغيير، وإنما كشفت أن المحافظة على التغيير أصعب من الوصول إليه.
فقد أثبت هذا الشعب، أكثر من مرة، أنه قادر على إسقاط أنظمة بدت راسخة، وأنه يمتلك من الوعي والشجاعة ما يمكنه من صناعة لحظات فارقة تفرض نفسها على العالم.
لكن التجربة نفسها كشفت أيضاً أن إسقاط النظام ليس سوى الخطوة الأولى، وأن النجاح في إدارة المرحلة التالية يحتاج إلى ما هو أكثر من وحدة المشاعر التي تصنع الثورات.
لقد علمتنا السنوات الماضية أن المشروع الوطني لا يمكن أن يعيش طويلاً إذا ظل قائماً على التوافقات المؤقتة وحدها.
فهو يحتاج إلى رؤية مشتركة، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف، وإلى ثقافة سياسية تعتبر التنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
كما يحتاج إلى إدراك أن الصراع الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين شركاء المشروع الوطني، وإنما بين المشروع نفسه وكل ما يهدد بقاء الدولة ومستقبلها.
وكما كشفت التجربة أهمية التماسك الداخلي، فقد كشفت أيضاً أهمية العمل الخارجي.
فالعالم لا يتكون من محور واحد، ولا تُبنى العلاقات الدولية على دائرة واحدة من الحلفاء.
وكل مشروع وطني يسعى إلى قيادة دولة بحجم السودان لا بد أن يمتلك القدرة على مخاطبة جميع مراكز التأثير، وأن يفهم مصالحها، وأن يتحاور معها، حتى عندما يختلف معها.
فالحكومة في بورتسودان لم تكتفِ بالدول التي تؤيدها، بل أبقت أبوابها مفتوحة في اتجاهات متعددة، وهو درس في إدارة الحركة السياسية قبل أن يكون موضوعاً للاتفاق أو الاختلاف معها.
ولعل أهم ما ينبغي أن نتعلمه أن الوقت ليس عاملاً محايداً في الصراعات السياسية.
فبينما كنا نستهلك سنوات طويلة في إدارة خلافاتنا، كانت الأطراف الأخرى تعيد ترتيب أوراقها، وتوسع علاقاتها، وتبني روايتها، وتتحرك بهدوء نحو أهدافها.
والسياسة، في نهاية الأمر، لا تكافئ من يملك القضية الأكثر عدالة فقط، وإنما تكافئ أيضاً من يملك القدرة على تحويل تلك القضية إلى مشروع منظم، وصبور، وقادر على الاستمرار، ولهذا، فإن مراجعة التجربة لا ينبغي أن تكون بحثاً عن طرف نحمّله المسؤولية، ولا مناسبة لتبادل الاتهامات، وإنما فرصة للتعلم.
فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها، ثم تحولها إلى حكمة تمنع تكرارها.
لقد تحدث العالم عن السودان في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، والموجب الآن هو أن يتحدث السودانيون مع أنفسهم؛ فما قيل في نيويورك جاء مجرد وصفٍ لواقعنا كما يراه الخارج.
أما تغيير هذا الواقع، فينطلق من داخل الحدود، عندما يستعيد السودانيون قدرتهم على بناء مشروع وطني جامع، يتقدم فيه الوطن على التنظيم، والمستقبل على الخلاف، والشراكة على المغالبة.
وأمام هذا التحول في الأولويات العالمية، تبرز حاجة السودانيين اليوم إلى إعادة إنتاج الأسباب التي فرضت احترام قضيتهم سابقاً، بدلاً من استهلاك الجهد في مطالبة المجتمع الدولي بالعودة إلى سياقٍ تجاوزه الزمن، فالفرص الجديدة في مسار التاريخ تُكتسب بالتعلم من الأخطاء والفرص الضائعة.
وإذا كانت ثورة ديسمبر قد أثبتت قدرة السودانيين على صناعة لحظة تلهم العالم، فإن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في البناء على تلك اللحظة لتأسيس تجربة أكثر نضجاً، وتماسكاً، وقدرة على البقاء.
ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عنا؛ فالصورة التي تتكون عن الشعوب في الخارج لا تُصنع في الخارج أولاً، وإنما تبدأ ملامحها من الداخل.
وكلما تغيرت صورتنا عند أنفسنا، تغيرت تبعاً لذلك صورتنا عند العالم.
فإن ترتيب بيتنا الداخلي هو أول الطريق، وهو السبيل الوحيد لتغيير رؤية العالم للسودان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك