معضلة “الوِتِد قبل الحمار”.
والف سبب للتشاؤمالهدنة ليست سلاما، بل علي الأرجح، وكما في الحروب المشابهة بين عصابات المجرمين كما رأيناها سابقا في قارتنا المسكينة، هي بالاحري سانحة لاعادة ترتيب الصفوف وحشد الالة العسكرية وشراء بعض الولاءات المطروحة في مزاد العُهر السياسي السوداني المفتوح… نعم، هي سانحة لشحذ الخناجر التي سيذبح بها مزيدا من المدنيين العُزّل في الأشهر والسنوات المقبلة.
ورغم ان ال 90 يوما المقترحة ربما تفتح نافذة لإنقاذ أرواح بعض الضحايا المرشحين للقتل والاغتصاب والموت جوعا ومرضا، والتشرد الا ان عناصر السلام المستدام الذي تهفو اليه قلوب السودانيين والسودانيات ما زالت غائبة تماماً، ما قد يعضِّد من الفرضية المرجحة المذكورة اعلاه.
فالمعطيات تؤكد ان المشروع السياسي الاستبدادي لكل من برهان وحميدتي ما زال قيد التنفيذ، بوجود واجهات مدنية مزيفة تم ترويضها استعدادا لمفاوضات عقيمة، سيجد فيها المدنيون الديموقراطيون أنفسهم يلعبون دور الكومبارس في أفضل الأحوال.
كما أن مشروع داعميهم الاقليميين في السيطرة عبر عملائهم علي النطاق الجغرافي والموارد الطبيعية للسودان ما زال قيد التنفيذ ايضا، بل في هذه اللحظة التي نصفق فيها لاخبار غير مؤكدة عن هدنة قصيرة محتملة يتم عقد صفقات لبيع السودان في الغرف الخلفية المظلمة بين عصابات اللصوص وكفلائهم، صفقات في حاجة الي هدوء، وهنا يمكننا أن تجد السبب الأساسي الذي قد يرجح نجاح تحقيق تلك الهدنة القصيرة …السلام المستدام في حاجة لكشف الحقائق ومواجهة مجرمي الحرب لمسؤوليتهم في الإبادة الجماعية واستخدام الأسلحة الكيميائية وقصف المدنيين وقتلهم خارج نطاق القانون واغتصاب النساء والطفلات وتحويل اجسادهن لساحات قتال جبانة، وتدمير البني التحتية ونهب الممتلكات الخاصة والعامة ونهب ثروات السودان وتهريبها والتخابر مع دول اجنبية وعودا علي بدء، قتل العزل في مجزرة اعتصام القيادة العامة والانقلاب علي الدستور وهو ما يعد قانونيا خيانة عظمي عقوبتها في غالب أنحاء كوكبنا هذا هي الإعدام.
بإختصار.
العنصر الغائب هو إعطاء الاف الضحايا الذين تم حرمانهم من حقهم في الحياة صوتا وفرصة للنظر في أعين جلاديهم حتي ولو من علي الضفة الاخري للنهر.
العنصر الأخير الذي قد تسمح به هذه المساحة المحدودة هو ضعف الصف المدني وضعف قيادته المتمثلة في د.
عبد الله حمدوك وضعف مشروعها الذي لا يتعدي الصفحتين من الأمنيات الوردية.
فمقاربة توسعة الصف المدني بأي ثمن، او ما يسمي مقاربة ال Full Bus Approach، هي خطأ تأسيسي مرده إنغلاقنا في صندوق العمليات السياسية ما قبل الحرب.
فأسطورة الكتلة الحرجة، والتي تم تبنيها بإيمان دوغمائي هي عنصر فاعل حينما يكون السعي لتغيير البنية السياسية بالادوات السلمية وضغط الشارع اما في زمان الحرب فالكتلة الحرجة، التي قد تحقق ذلك التغيير لا تحمل هتافا نبيلا تهدر به في الشوارع بل مدفعا و بندقيّةً وخنجرا، ومالا يتدفق من خارج السودان علي الوكلاء.
والبديل هو صف مدني ديموقراطي يحمل مشروعا حقيقياً متماسك، وخطاب واضح، لا يقبل اي تفسيرات اخري، ضد اطراف الحرب وداعميهم الاقليميين وباستطاعته كشف عورة مجرمي الحرب واضعافهم، فلا سبيل اخر لفرض وجودنا علي اي طاولة مفاوضات قادمة كطرف أصيل وليس ديكورا خلفيا وفرض مشروع التحول المدني الديموقراطي كأساس لتلك المفاوضات.
لا يهم ان كان الصف واسعا ام ضيقا، بل ما يهم هو أن تُشحذ العقول والإرادة وتشدّ السواعد لبناء مشروعٍ متماسكٍ مفصل وواقعي، يجد فيه الجمهور المظلوم والمشرّد ضالته في الخروج من مأساته.
مشروع بمقدوره حشد الجمهور حوله ودعمه، وهو ما يتطلب قيادة تمتلك وعيا تاريخيا وحسا سياسيا لا تشوبه خطايا كبري مثل اتفاق 21 نوفمبر 2021م المُخزي.
من غير ذلك سنكون مشاركين في التمهيد لاتفاق بين المجرمين برهان وحميدتي وعصاباتهما وكفلائهما علي اقتسام السلطة والثروة او اقتسام السودان.
سنكون، كما يقول المثل السوداني البليغ “جبنا الوتد قبل الحمار”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك