الفقر: كيف تفاقم ونتائجه المستقبلية؟يمكن القول: ليس في العراق يقيناً لا شك فيه من الفقر.
وبالرغم من ذلك السلطة الحاكمة تتحدث عن كوكب آخر.
فهي غارقة في “الدسم” والليالي الحمراء.
“الفقر في الوطن غربة”، مقولة تتجسد بأقسى صورها ومرارتها في العراق؛ البلد الغني حتما.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقراً ناتجاً عن شح الموارد، بل هو فقر هيكلي ومؤسساتي، يُصنع من قبل السلطة، بتعمد.
ليُنتج مفارقة مرعبة: مشاهد تدمي القلب في قاع المجتمع، يقابلها استهتار مادي وبذخ فاحش.
وللتاريخ تدرج هنا، الملاحظات التالية؛ 1) مشاهد من الزوايا كافة: حين يُصادر حق الحياة في مناطق الابرياء المنسية، تسقط كل الإحصائيات لتبقى الصورة وحدها شاهدة على انهيار اكرامة المواطن.
في العاصمة، حيث ترتفع سحب الدخان السام، تتشكل حياة كاملة على حافة مكبات النفايات.
عوائل بأكملها، نساء وشباب أرهقهم العوز، يقفون في طوابير الصمت بانتظار وصول سيارات البلدية.
وما إن تفرغ حمولتها حتى يبدأ السباق المرير؛ أيادٍ عارية تنبش في المخلفات بحثاً عن بقايا تُباع ببضعة دنانير، في صراع لاستخلاص الحياة من جوف العدم، حيث يُدفع الإنسان قسراً ليقتات على لا شيء.
وفي قلب الشوارع المزدحمة، تتحول التقاطعات والإشارات الضوئية إلى أسواق للألم القسري.
شباب تبددت أحلامهم، ونساء يفترشن الأرصفة المحاذية للإسفلت، يتنقلون بخطى متعبة بين عجلات السيارات المسرعة؛ يعرضون سلعاً زهيدة أو يمسحون زجاجاً لا يحتاج إلى مسح.
تُهدر الطاقات البشرية هنا، ليتحول المواطن إلى كائن يستجدي حقه في البقاء من وراء نوافذ السيارات المغلقة.
أما الصورة الأكثر إيلاماً، فتتوارى خلف الجدران المتصدعة للمباني المهجورة والهياكل الخربة.
هناك، يقبع ذوو الاحتياجات الخاصة من الفقراء؛ أجساد عليلة تركها العجز والفقر في زوايا الرطوبة، بلا رعاية صحية وبلا أسقف تقيهم قسوة الطبيعة.
هم غائبون عن سجلات الرعاية، منسيون في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة البشرية، حيث يشكل الجسد العاجز مع الفقر المدقع زنزانة لا مرئية.
2) في المقلب الآخر: إقطاعيات الفساد والاستهلاك: على النقيض تماماً من مشاهد البحث في النفايات، تنتصب الصورة الأكثر استفزازاً: طبقة سياسية وميليشياوية ابتلعت الدولة، وحولت مقدرات الشعب إلى إقطاعيات شخصية في أبشع تجلٍ للمادية الجشعة التي داست على كل قيمة إنسانية ووطنية.
بينما لا يجد المواطن سقفاً يأويه، تُهرّب المليارات بانتظام عبر شبكات غسيل الأموال لتبني إمبراطوريات في الخارج.
لم يعد طموح هذه المنظومة امتلاك قصور محلية، بل تجاوز ذلك إلى شراء جزر خاصة، واستحواذ شخصيات مسلحة وسياسية متنفذة على شوارع تجارية وعقارات فارهة بأكملها في عواصم كبرى مثل لندن.
ثروات تُنتزع من بطون الجياع لتُكدس في حسابات أجنبية.
وفي الداخل، تعيش هذه الطبقة في فقاعة من الاستهلاك العبثي المفرط.
تُقام الحفلات الخاصة بتكاليف تعادل ميزانيات مدن، ويصل الاستهتار بمقدرات البلد إلى توزيع “سبائك الذهب” كهدايا عابرة في مناسباتهم.
هذا البذخ المريض ليس مجرد ترف، بل هو استعراض للقوة وإمعان في إذلال الطبقات المسحوقة.
ولم يقف الأمر عند الرفاهية الشخصية، بل يُوظف جزء كبير من هذه الأموال المنهوبة لتمويل أجندات تصادر سيادة العراق واستقلاله.
تُنفق المليارات لترسيخ التبعية وتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ليصبح مال العراقيين هو السلاح الذي تُسلب به إرادتهم الوطنية.
يُضاف إلى ذلك إهدار مليارات الدنانير في حملات دعاية إعلامية لانتخابات أثبتت التجربة أنها بلا فائدة، تُنفق لشراء اللافتات والمنصات بغية إعادة تدوير الوجوه ذاتها.
ولعل التطور الأهم الذي كشف عمق هذا الانهيار هو صولة الرئيس الزيادي الأخيرة ضد الفساد.
فرغم ما كشفته هذه الحملة من ملفات خطيرة وما أطاحت به من رؤوس، إلا أن ما طفا على السطح لا يعدو كونه قطرة من بحر المال المسروق من قوت الشعب.
أثبتت تلك الصولة القاطعة أن الفساد ليس ممارسة فردية، بل “مؤسسة” متجذرة ومحمية بقوة السلاح والنفوذ.
3) حتمية الإصلاح هذا التناقض الصارخ يؤكد أن مواجهة الفقر لا تتم بتوزيع الإعانات التي تكرس الاتكالية، بل تتطلب معركة إصلاحية، بل ثورة شاملة تقتلع هذه الطغمة الفاسدة من جذورها.
إن استرداد الحقوق يحتاج إلى إرادة وطنية حازمة تعيد بناء الاقتصاد على أسس العدالة الاجتماعية والكرامة، وتجتث هذه الطبقة التي جعلت من المواطن العراقي غريباً داخل وطنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك