تتحدّث الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي عن تحقيق تقدم في ملف" حصر السلاح"، من دون أن تشرح ماهية هذا التقدم أو حجمه، في ظل استمرار تعنّت فصائل وازنة في المشهد ورفضها حتى مناقشة فكرة التخلي عن سلاحها.
وتواجه خطوات الحكومة العراقية الجديدة، التي تحظى بقبول شعبي واسع من مختلف أوساط العراقيين تجاه السيطرة على السلاح واحتكاره من جانب القوات النظامية فقط، تحديات حقيقية، تتمثل في رفض عدة فصائل مسلحة تُصنف على أنها تابعة أو مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أي حديث عن تسليم سلاحها أو تفكيكها.
وأبدت فصائل مسلحة، بحسب مصادر تحدثت إلى" العربي الجديد"، تحفّظها على تسليم سلاحها قبل الحصول على ضمانات تتعلق بمرحلة ما بعد تنفيذ الخطوة، ولا سيما حماية قادتها وعناصرها من أي استهداف محتمل، وضمان عدم ملاحقتهم سياسياً أو أمنياً داخل العراق، فضلاً عن إنهاء الوجود الأميركي في البلاد.
وترى هذه الفصائل أن التخلي عن سلاحها في ظل استمرار التهديدات الإقليمية قد يجعلها عرضة للاستهداف لاحقاً.
وتعد" كتائب حزب الله"، و" حركة النجباء"، و" سيد الشهداء"، و" الأوفياء"، و" البدلاء"، أبرز هذه الجماعات، التي تشكل فعلياً الجناح العقائدي والأكثر تسليحاً في جسد" الحشد الشعبي"، مع وجود فصائل أخرى ما زالت لم ترفض أو توافق من حيث المبدأ على الخطوة، كما فعلت فصائل أخرى مثل" عصائب أهل الحق"، و" سرايا السلام"، و" الإمام علي".
ورغم أن الحكومة العراقية لا تعترف بالعرقلة التي تواجهها مع هذه الفصائل، فإن الإعلانات المستمرة من بعضها، وأبرزها كتائب حزب الله والنجباء، تشرح عمق الأزمة، وقد زادت هذه الإعلانات مع اقتراب موعد زيارة الزيدي إلى واشنطن.
وذكر هذان الفصيلان، في بيانات متفرقة خلال الأيام الماضية، وتحديداً بمناسبة تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، أن" السلاح ليس خياراً للمساومة"، وأنهما سيعملان على" تطوير قدراتهما العسكرية والأمنية كماً ونوعاً".
أما الأمين العام لفصيل" كتائب حزب الله"، أبو حسين الحميداوي، فقد اعترف، يوم الجمعة الماضي، بأن" الكتائب تأسست على يد شهيد الأمة (المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي) وبقرار منه، ورجالها ما زالوا يوالون هذا الخط، ويتمسّكون بالمقاومة الإسلامية وسلاحها".
وأكمل الحميداوي، في بيان: " نلفت أنظار القادة السياسيين والمسؤولين الحكوميين إلى وجوب الانصياع لإرادة الشعب والمقاومة والجهاد، والحذر الشديد من الانجراف في ركاب المشاريع الاستكبارية، أو التماهي مع أجنداتها الخبيثة".
من جهتها، بيّنت حركة" النجباء"، التي يقودها أكرم الكعبي، الشهر الماضي، أن موقفها" ثابت ولم ولن يتغير" بشأن" السلاح المقدس".
وذكرت الحركة، في بيان، أن" موقف الحركة ثابت بخصوص السلاح المقدس المنضبط الذي وُجد للدفاع عن عراق المقدسات وشعبه.
والمؤسف أن البعض القليل ممن أغرته المصالح الدنيوية صار بوقاً للمجرمين.
وإن من العار الاستماع لحديث لا يمثل سوى صدى الصهيوني والأميركي، في الوقت الذي ما زال فيه بلدنا محتلاً وسماؤه منتهكة والسيادة مسلوبة بالتدخل السافر المستمر والعلني، وليعلم هؤلاء أن سلاح المقاومة خط أحمر".
وجاء موقف" النجباء" بعد أن أعلن فصيل" عصائب أهل الحق"، بقيادة قيس الخزعلي، فكّ الارتباط بتشكيلات هيئة الحشد الشعبي وتسليم سلاحه وحصره بيد الدولة، وسبقه قرار مشابه لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي أمر بتسليم سلاح الفصيل الذي يقوده" سرايا السلام"، بعد قرارات رئيس الحكومة علي الزيدي ببدء مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وتحديد سقف زمني لمعالجة ملف السلاح ينتهي في 30 سبتمبر/ أيلول المقبل.
وتواصل" العربي الجديد" مع ثلاثة أعضاء بارزين في تحالف" الإطار التنسيقي"، وأكدوا جميعهم أن الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها لا تقصد مواجهة الدولة، لكنها تخشى من عدة أمور، ولم تحصل على ضمانات من الحكومة.
وقال أحد هذه المصادر إن" الضمانات معدومة في ما يتعلق بمرحلة ما بعد تسليم السلاح، مثل حياة قادة الفصائل والخط الأول فيها، ومصيرهم بعد تسليم السلاح، لا سيما أن الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي غالباً ما ينكثان وعودهما وتعهداتهما، وهناك إمكانية لاستهدافهم، إلى جانب مسألة ضمان انتهاء الوجود الأميركي في العراق وتحقيق السيادة، وألا يجري النيل منهم سياسياً أو أمنياً لاحقاً داخل العراق".
وأضاف العضو ذاته أن" كتائب حزب الله وحركة النجباء، وما تضمانه من جماعات أخرى تتبعهما، ستبقيان رافضتين تسليم السلاح إلى أن تتأكدا من أن الدولة العراقية ستحمي سيادة العراق والمقاومين من أي اعتداءات"، موضحاً أن" هذين الفصيلين تحديداً ينظران إلى مشروع نزع سلاح الفصائل بوصفه خطة خطيرة لضرب استقرار العراق لاحقاً، كما حدث في سورية بعد سقوط بشار الأسد، حيث باشر الكيان استهداف كل نقاط القوة العسكرية لسورية من أجل منع أي تحرك ضده.
وبالتالي، فإن الرسائل الأخيرة التي تركاها للحكومة ليست تحدياً، إنما هي آلية للرد على واشنطن، ومنح رئيس الحكومة علي الزيدي الجواب الذي ينقل إلى واشنطن بشأن مستقبل الفصائل"، وفقاً لقوله.
من جهته، بيّن الباحث في الشأن السياسي، عبد الله الركابي، أن" الفصائل التي وافقت على تسليم السلاح تريد مستقبلاً سياسياً وهدوءاً على مستوى الجبهة الداخلية، أما الفصائل الرافضة، التي تريد أن تبقى الدولة في كنف سلاح المقاومة، فهي جزء من المخاوف لدى ما تبقى من محور المقاومة".
واستكمل حديثه مع" العربي الجديد" قائلاً إن" التمدد الإسرائيلي وبقاء اليد العليا في اتخاذ القرارات بشأن المنطقة العربية لدى واشنطن سيدفعان الفصائل إلى التمسك بسلاحها أكثر، ولو أن الكيان الإسرائيلي وواشنطن التزما بالاتفاقات بشأن أوضاع غزة ولبنان وإيران، لكانت الفصائل قد تعاملت مع ملف حصر السلاح، لكن نكث العهود والاتفاقات يدفع الفصائل إلى العناد والإبقاء على سلاحها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك