القاهرة – «القدس العربي»: ينطلق الفيلم المصري القصير «قبل الظهر» للمخرج الشاب مروان الشافعي، في جولة عرض ومشاركة واسعة في عدد من المهرجانات السينمائية العربية البارزة خلال الشهر الجاري.
وتشمل هذه الجولة محطات جغرافية وثقافية مميزة تجمع بين مدن الدار البيضاء، وعمّان، والقدس الشريف.
وينتمي الفيلم إلى سينما مستقلة تحاول البحث عن صيغ تعبيرية بديلة خارج الأنماط التجارية التقليدية السائدة في صالات العرض الكبرى.
وتكتسب هذه الجولة السينمائية أهمية خاصة في مشهد الفن المستقل؛ نظراً لرمزية العبور الجغرافي الذي تحققه السينما العربية القصيرة اليوم في مواجهة الحدود والقيود الثقافية.
ويعتبر نقاد وسينمائيون أن عرض العمل في القدس المحتلة يحمل دلالة رمزية هامة تثبت وحدة الجسد الثقافي العربي وتجعل من الفن السابع جسراً للتواصل الحي مع قضايا الداخل الفلسطيني.
يقدم الفيلم، الذي كتبه عبد الرحمن جابر وأنتجته آلاء لاشين عبر شركة «إيه إتش للإنتاج الإعلامي»، طرحاً إنسانياً ونفسياً بالغ العمق والجرأة؛ إذ يقتحم مناطق مسكوت عنها بوعي سينمائي لا يهاب الاصطدام بصلابة الموروث الاجتماعي والطقوس الجمعية.
وتدور أحداث الفيلم حول مراهق يدعى «سيف»، يجسد دوره الفنان مروان عاشور، يواجه فاجعة موت والده المفاجئ في لحظة حرجة تضعه في مأزق أخلاقي ونفسي شديد التعقيد.
يجد سيف نفسه عاجزاً عن الاقتراب من جسد والده الراحل لإلقاء نظرة وداع أخيرة أو ملامسته، نتيجة شعوره بذنب داخلي يجعله يرى جسده «غير طاهر» بموجب الطقوس الدينية والاجتماعية السائدة.
ومن هنا، ينطلق المراهق في رحلة قاسية ومضنية للبحث عن «تطهير» مادي سريع بالماء، محاولاً تعويض عجزه المفروض عن البوح العاطفي الحقيقي وتصريف صدمة الفقد.
ومن خلال هذا التكثيف الدرامي، يطرح المخرج تساؤلات حيوية حول الأنماط الثقافية في المجتمعات العربية التي تقيد التعبير العاطفي التلقائي لدى الرجال، حيث تحاط لغة اللمس والمواساة وإظهار الضعف البشري في لحظات الحزن بحواجز صلبة من الخزي والإنكار.
برع فريق العمل التقني في صياغة لغة بصرية تترجم هذا الانحباس النفسي؛ حيث نقلت كاميرا مدير التصوير أدهم خالد التوتر الداخلي للبطل من خلال زوايا ضيقة وقطعات حادة تعكس الحصار النفسي والجسدي الذي يعيشه سيف داخل فضاء غرفته ومحيطه العائلي المأزوم.
وتتكامل هذه الرؤية مع شريط صوتي مميز أشرف عليه هندسياً هشام عتمان ومحمد صلاح، ومونتاج دقيق أعده ياسر عزمي ليعكس التردد والاضطراب اللذين يسبقان لحظات المواجهة الكبرى مع طقس الموت والوداع.
ويشارك في بطولة الفيلم، إلى جانب مروان عاشور، كل من داليا رمزي، محمد فضل، أحمد النبوي، خالد البساطي، نهى عماد، هاني عبود، وهشام الراوي، في تجربة أداء تمثيلي حية ومتناغمة.
تأتي الجولة العربية الحالية لفيلم «قبل الظهر» بعد سلسلة من النجاحات الدولية والإقليمية اللافتة؛ إذ سبق للفيلم أن مثل السينما المصرية في مهرجان السينما المستقلة الأوروبي في باريس، منافساً ضمن فئة «أفضل فيلم مستقل غير أوروبي»، وحصد هناك جائزة التميز الخاصة بالمسابقة الرسمية للأفلام القصيرة.
كما حظي بتفاعل نقدي واسع ومميز عند عرضه في مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك