الخرطوم 13 يوليو 2026- يُعد تدهور الغطاء النباتي في ولاية الخرطوم أحد أبرز الآثار البيئية للحرب المستمرة في السودان، وسط تحذيرات خبراء من أن استمرار إزالة الأشجار وتراجع المساحات الخضراء قد يقود إلى تسارع التصحر وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأمن الغذائي، في وقت بدأت السلطات تنفيذ برنامج محدود لاستعادة المراعي والغابات.
وتسببت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بدمار واسع طال الموارد الطبيعية والبنية البيئية في العاصمة، إذ تعرضت حدائق عامة ومتنزهات وغابات تاريخية لأضرار كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والاحتطاب الجائر وغياب أعمال الصيانة والحماية.
وتشير تقديرات بيئية إلى أن تراجع الغطاء النباتي ينعكس مباشرة على زيادة العواصف الترابية، وانخفاض قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، وتراجع التنوع الحيوي، فضلاً عن ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن نتيجة فقدان الأشجار التي تمثل مصدات طبيعية للرياح ومصدراً لتلطيف المناخ.
وفي محاولة للحد من تلك التداعيات، شرعت الإدارة العامة للمراعي والغابات بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم، بالتنسيق مع مشروع استدامة الموارد الطبيعية وسبل كسب العيش، مؤخراً في تنفيذ برنامج لنثر بذور المراعي والغابات بعدد من القرى في محليتي أم درمان وشرق النيل.
ومن المقرر نثر نحو 2.
5 طن من البذور المحسنة على مساحة تبلغ 1250 فداناً، بهدف استعادة الغطاء النباتي، وتحسين المراعي الطبيعية، وزيادة الكتلة الحيوية، بما يدعم الثروة الحيوانية ويسهم في تعزيز سبل كسب العيش، إلى جانب التخفيف من آثار التغيرات المناخية وظاهرة “النينو” التي تؤثر في معدلات الأمطار بالسودان.
وقالت مدير الشؤون الزراعية بوزارة الزراعة والري بولاية الخرطوم، مزاهر علي سعيد، لـ”سودان تربيون”، إن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالغطاء النباتي، موضحة أن الوزارة تعمل أيضاً على إعادة تأهيل نحو 173 حفيراً تضررت خلال الحرب ضمن برامج حصاد المياه، بما يسهم في توفير المياه للإنسان والحيوان ودعم استقرار الإنتاج الزراعي والرعوي.
ويرى المحلل الاقتصادي عادل عبد العزيز، في حديثه لـ”سودان تربيون”، أن تكرار موجات الجفاف وضعف الأمطار، إلى جانب الحرب، أدى إلى إنهاك المراعي الطبيعية واستنزاف مخزون التربة من بذور النباتات العلفية، محذراً من أن استمرار الرعي الجائر في ظل هذا الواقع سيؤدي إلى اختفاء أنواع نباتية عالية القيمة الغذائية، مقابل انتشار نباتات أقل جودة، وهو ما يسرّع تعرية التربة والتصحر.
وأضاف أن تدهور المراعي ينعكس مباشرة على الثروة الحيوانية من خلال انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الأمراض وسوء التغذية، الأمر الذي يزيد تكلفة الأعلاف ويضغط على الأسر الريفية التي تعتمد على تربية الماشية، وقد يدفع كثيراً منها إلى بيع قطعانها أو الهجرة نحو المدن، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية.
وأشار إلى أن برامج نثر البذور يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا اقترنت بتطبيق تقنيات حصاد المياه، وحماية المراعي، وإعادة جمع البذور بعد نضجها، بما يضمن توسع المساحات المستصلحة تدريجياً واستدامة المشروع.
ويرى الخبير البيئي الدكتور طه أحمد، في حديثه لـ”سودان تربيون”، أن استعادة الغطاء النباتي لا تقتصر على نثر البذور، بل تتطلب برنامجاً متكاملاً يشمل حماية المواقع المستهدفة من الرعي الجائر والاحتطاب، وإعادة تأهيل التربة، وتوفير مصادر مياه مستدامة، مؤكداً أن نجاح أي مشروع لإعادة التشجير يعتمد على استمرارية المتابعة لعدة مواسم.
وأضاف أن الأشجار تمثل خط الدفاع الأول ضد التصحر والعواصف الترابية، كما تسهم في خفض درجات الحرارة وامتصاص الكربون وتحسين جودة الهواء، محذراً من أن استمرار فقدان الغطاء النباتي سيؤدي إلى زيادة هشاشة البيئة في ولاية الخرطوم، ويضاعف آثار التغيرات المناخية.
وتشير تقارير وتقديرات بيئية إلى أن الحرب تسببت في تدهور واسع للغطاء النباتي في العاصمة الخرطوم، مع تعرض غابة السنط والحديقة النباتية بالمقرن، إلى جانب عدد من الأحزمة الخضراء والحدائق العامة، لأضرار كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والاحتطاب الجائر وغياب أعمال الحماية والصيانة.
كما شهد السودان خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في الغطاء النباتي بفعل الحرب وآثار التغيرات المناخية والجفاف والتوسع في استخدام الأخشاب لأغراض الوقود، بينما تُصنف مساحات واسعة من البلاد ضمن المناطق المهددة بالتصحر، ما يجعل برامج إعادة تأهيل المراعي والغابات جزءاً مهماً من جهود التعافي البيئي والاقتصادي بعد الحرب.
و تظهر بيانات الهيئة القومية للغابات بالتعاون مع “برنامج الأمم المتحدة للبيئة” (UNEP) في تقرير 2026 أن إزالة الغابات في السودان تنتج أكثر من 9.
3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ويضيف تدهور الغابات نحو 1.
6 مليون طن أخرى، بينما تمتص الغابات الباقية الكربون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك