تتكرر مشاهد الرمي العشوائي للنفايات في العديد من الأحياء والشوارع، وحتى الشواطئ، وهو ما أعاد بعض المطالب إلى الواجهة والمتمثلة في تشديد العقوبات على المخالفين، غير أن مختصين في مجال البيئة يؤكدون أن الردع القانوني رغم أهميته، لا يكفي وحده لإحداث تغيير في السلوكيات، داعين في ذات الوقت إلى الاستثمار في التربية البيئية وتكثيف حملات التوعية داخل المدارس والمساجد ومختلف الفضاءات العمومية.
ورغم الجهود التي تبذلها مختلف الهيئات العمومية لتحسين مستوى النظافة، إلا أن الظاهرة لا تزال تفرض نفسها في عدد من المدن خاصة على الشواطئ، الأمر الذي دفع المختصين في مجال البيئة إلى إعادة طرح النقاش حول فعالية الردع القانوني، ومدى الحاجة إلى إشراك المواطن في منظومة متكاملة تجعل المحافظة على المحيط مسؤولية جماعية وثقافة يومية، ويرى هؤلاء أن بناء منظومة متكاملة لإدارة النفايات، تبدأ بتوفير البنية التحتية المناسبة، وتمر عبر التربية البيئية والتوعية المستمرة، وصولا إلى تثمين النفايات وتحويلها إلى مورد اقتصادي يساهم في التنمية وخلق مناصب الشغل.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في إدارة النفايات والبيئة والمدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات، كريم ومان، أن الكثيرون يخلطون بين مفهوم “نظافة المحيط” و”إدارة النفايات”.
وأوضح ومان أن نظافة المحيط تمثل النتيجة الظاهرة التي يلاحظها المواطن، من خلال شوارع وأحياء خالية من النفايات، بينما تعني إدارة النفايات منظومة متكاملة تشمل الجمع المنتظم، وتوفير نقاط التجميع، والفرز، وإعادة التدوير، والتثمين، إلى جانب الحوكمة المبنية على البيانات ومؤشرات الأداء.
وأضاف المتحدث، أن الردع القانوني يعد وسيلة فعالة لتغيير بعض السلوكيات الفردية بشكل سريع، خاصة ما تعلق بالرمي العشوائي للنفايات، غير أن الاعتماد عليه وحده لا يكفي لتحقيق نتائج دائمة، لأن النظافة المستدامة بحسبه- لا تتحقق بالعقوبات فقط، وإنما ببناء منظومة تجعل الالتزام سلوكا طبيعيا لدى المواطن.
وأشار، إلى أن التجارب الميدانية أثبتت أن الإفراط في الاعتماد على الغرامات قد يضعف الدافع الداخلي لدى المواطنين، فيتحول احترام القانون إلى خوف من العقوبة، بدل أن يكون نابعا من قناعة راسخة بأهمية المحافظة على البيئة والمصلحة العامة.
كما شدد، بالمقابل على أن العقوبات تفقد جزءا كبيرا من فعاليتها عندما لا تتوفر للمواطن الظروف التي تساعده على الالتزام، مثل وجود حاويات كافية وقريبة، وضمان رفع النفايات بانتظام، معتبرا أن معاقبة المواطن في غياب هذه الشروط قد تخلق شعورا بعدم الإنصاف، لأنها تعالج النتيجة الظاهرة ولا تعالج أسباب المشكلة على حد قوله.
وفي المقابل، يرى محدثنا أن التربية البيئية تمثل الاستثمار الحقيقي على المدى البعيد، لأنها تبني ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الفضاء العام، وربط النظافة بالصحة العمومية وجودة الحياة، فضلا عن القيم الدينية والاجتماعية التي تحث على المحافظة على المحيط.
وقال إن حملات التحسيس “تكون أكثر تأثيرا عندما تعتمد خطابا إيجابيا يجعل المواطن شريكا في الحل، والابتعاد عن الطرق العقابية والردعية مؤكدا أن إشراك المدارس والجمعيات في نشر الثقافة البيئية يعد أحد أهم مفاتيح النجاح.
”واستشهد المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات بالتجربة السنغافورية، موضحا أن ما حققته سنغافورة من مستويات عالية في النظافة لم يكن نتيجة الغرامات وحدها، وإنما جاء بفضل منظومة متكاملة جمعت بين تطبيق القانون، والاستثمار في البنية التحتية، وبرامج التربية البيئية، وتوفير حلول عملية للمواطن، إلى جانب تطوير قطاع إعادة التدوير وتثمين النفايات، مؤكدا أن الجزائر تمتلك كل المقومات التي تسمح لها بتحقيق نتائج مماثلة، سواء من حيث الإطار التشريعي، أم الكفاءات البشرية، أم الخبرات الوطنية في مجال إدارة النفايات.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك