الجزيرة نت - "عديني يا أمريكا".. بايدن يعلن قرب صدور مذكرات توثق سنوات حكمه القدس العربي - لحظة الالتفات إلى الشرق قناة الجزيرة مباشر - Context of the Event | Strikes and Threats Redraw the Contours of the Confrontation Between Washi... القدس العربي - عندما يصبح المدرب أول ضحايا الحلم المكسور في المونديال رويترز العربية - الجيش الأمريكي: ضربات جديدة ضد إيران رويترز العربية - أمريكا تضرب إيران مجددا وطهران تقول إنها في حرب وجودية القدس العربي - مستقبل الصحافة: المعركة على أدوات الرواية! القدس العربي - حين يصبح الوطن رفاً من الكتب… وأوطان تنتظر صافرة النهاية القدس العربي - جمرة مطار صنعاء: هل تحرق تفاهمات سنوات من التهدئة؟ رويترز العربية - ترامب يقول إيران ترغب في التفاوض
عامة

بصيرة الحكمة: الرأي قبل شجاعة الشجعان

القدس العربي
القدس العربي منذ 48 دقيقة
1

يكشف التأمل في حوادث التاريخ أن كثيراً من الانتكاسات لم تنشأ في لحظة ضعف القوة، وإنما بدأت في لحظة اضطراب الرؤية. ففي المسافة الفاصلة بين القدرة على الفعل والقدرة على تقدير عواقبه تتحدد مصائر المجتمعا...

يكشف التأمل في حوادث التاريخ أن كثيراً من الانتكاسات لم تنشأ في لحظة ضعف القوة، وإنما بدأت في لحظة اضطراب الرؤية.

ففي المسافة الفاصلة بين القدرة على الفعل والقدرة على تقدير عواقبه تتحدد مصائر المجتمعات، وتتكون الفوارق بين مشروع يراكم منجزاته عبر الزمن ومشروع تستنزف طاقاته استجابات آنية سرعان ما تتلاشى آثارها.

وفي تلك المسافة الدقيقة بين الاندفاع والتبصر، وبين الحماسة والتقدير، تتجلى قيمة الرأي بوصفه وعياً بالمآلات، وقدرة على قراءة الواقع في تعقيداته وتحولاته، وهي الفكرة التي التقطها أبو الطيب المتنبي ببصيرته النافذة في بلاط سيف الدولة الحمداني، حيث كانت الشجاعة إحدى القيم المركزية، التي يُقرأ من خلالها الواقع السياسي والثقافي للعصر، وحيث تتداخل رهانات السلطة مع مقتضيات الحرب وأحلام المجد الفردي والجماعي، وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الفرسان والسيوف ومشاهد الإقدام التي تستحوذ على المخيلة الجمعية، كان المتنبي يتأمل ما يتجاوز مظاهر القوة المباشرة إلى الشروط المعرفية التي تمنحها معناها واتجاهها، واستخلص من قلب التجربة حكمةً أكثر رسوخاً في حركة التاريخ، حكمةً تجعل الرؤية سابقة على الفعل، والعقل المدبر إطاراً ناظماً لما تملكه الجماعات من طاقات وقدرات، فصاغ معادلته الحكيمة التي تجاوزت عصرها وظلت صالحة لقراءة أحوال الأفراد والمجتمعات والدول:«الرأي قبل شجاعة الشجعان… هو أول وهي المحل الثاني»تستمد حكمة المتنبي جانباً مهماً من قوتها الحجاجية، من كونها تعيد ترتيب سلم القيم السائد في الوعي الجمعي، وتدعو إلى مراجعة تصور ثقافي راسخ منح الشجاعة المادية موقع الصدارة في الحكم على الأفراد وتحديد مكانتهم.

وتكشف الدراسات الأنثروبولوجية، أن المجتمعات المرتبطة تاريخياً بفضاءات الرعي والترحال والصراع على الموارد المحدودة قد أولت قيمة الشجاعة مكانة مركزية بحكم اتصالها المباشر بمتطلبات الحماية والدفاع وتأمين أسباب العيش، الأمر الذي جعلها معياراً رئيساً في تقييم الأفراد واختيار القادة، وحاضرة بقوة في السرديات الشفوية والشعرية التي شكلت الذاكرة الثقافية لتلك المجتمعات.

وفي هذا السياق تكتسب رؤية المتنبي أهميتها؛ إذ تتجه إلى إعادة تحديد موقع الشجاعة داخل منظومة أوسع من القيم المرتبطة بالعقل والتدبير وحسن تقدير الأوضاع.

فمع تطور العمران البشري ونشوء الدولة المنظمة واتساع وظائفها المؤسسية، غدت إدارة المجتمع أكثر ارتباطاً بقدرات التفكير والتخطيط والتنظيم، وأصبحت حماية الجماعة واستقرارها جزءاً من منظومة قانونية ومؤسساتية تتجاوز حدود البطولة الفردية ومقتضياتها المباشرة.

ولهذا يقول:«لَولا العُقولُ لَكانَ أَدنى ضَيغَمٍ … أَدنى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإِنسانِوَلَما تَفاضَلَتِ النُفوسُ وَدَبَّرَت.

أَيدي الكُماةِ عَوالِيَ المُرّانِ»فالتفاضل بين الإنسان والحيوان في هذا التصور يتأسس على القدرة على التدبير وإدراك المآلات وتنظيم القوة وتوجيهها نحو غايات منتجة.

ومن هنا تكتسب الشجاعة معناها الحضاري بوصفها طاقة يجري توجيهها بالعقل، وتكتسب القوة قيمتها من الرؤية التي تحدد وجهتها ومجال توظيفها.

وتزداد أهمية هذا التمييز في المجتمعات التي تشهد اضطراباً في منظومات القيم العامة، حيث تميل بعض المجتمعات إلى الاحتفاء بالفعل المباشر أكثر من احتفائها بالتفكير الذي يسبقه، وإلى منح الشرعية للحماسة بوصفها دليلاً على الصدق والإخلاص، في الوقت الذي تتراجع فيه مكانة الخبرة والمعرفة والتقدير الرشيد للأوضاع.

وفي مثل هذه المجتمعات يحدث اختلال تدريجي في ترتيب الأولويات، فتتقدم الأصوات الأعلى ضجيجاً على الرؤى الأكثر عمقاً، وتتسع المسافة بين إدارة الانفعالات وإدارة المصالح، الأمر الذي يجعل المجال العام أكثر قابلية للتقلبات الحادة وللخيارات التي تُبنى تحت تأثير اللحظة أكثر مما تُبنى على قراءة المآلات.

وتُظهر الأحداث التاريخية أن كثيراً من الانتكاسات ارتبطت بدرجات متفاوتة من القصور في فهم الواقع، وتقدير موازين القوى واستيعاب طبيعة التحولات الجارية في البيئة المحيطة.

فالمجتمعات قد تمتلك طاقات بشرية واسعة وقدراً كبيراً من الحماسة والاستعداد للتضحية، غير أن هذه الطاقات تفقد جزءاً مهماً من فاعليتها حين تتحرك في غياب الرؤية القادرة على تنظيمها وربطها بأهداف واضحة وممكنة التحقيق.

وحين يغيب الرأي السديد قد تمضي المجتمعات بكل ما تملكه من حماسة في طرق لم تخترها بنفسها.

فالتاريخ مليء بالشواهد عن قوى بذلت الكثير من التضحيات، ثم اكتشفت متأخرة أنها كانت تنجز فصولاً في مشاريع كتبها آخرون.

وتنشأ هذه الإشكالية عادة عندما تتقدم التصورات الرغائبية على القراءة الموضوعية للوقائع، وعندما تتشكل الأحكام من الأمنيات والانطباعات أكثر مما تتشكل من المعرفة الدقيقة بالمعطيات الفعلية.

وعند هذه النقطة يصبح اتخاذ القرار عرضة لمستويات مرتفعة من المخاطرة، وتتسع الفجوة بين الواقع كما هو، والواقع كما يُتخيل، فتظهر نتائج لا تنسجم مع التوقعات التي سبقت الفعل.

وترتبط هذه الحالة ارتباطاً وثيقاً بثقافة التهييج التي تمنح الأولوية للأثر السريع والانفعال المباشر.

فالخطابات المشحونة بالعاطفة تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج شعور فوري بالفاعلية والتأثير، في حين أن التحولات العميقة تتشكل عبر مسارات طويلة من التراكم المعرفي والعمل المؤسسي والتخطيط المسؤول.

ولهذا كثيراً ما تنشأ حالة من وهم الإنجاز اللحظي، إذ يجري الخلط بين إثارة الانتباه وبين صناعة التغيير الحقيقي، وبين التعبئة العابرة وبين بناء المنجزات المستدامة.

وفي ظل هذا المناخ يصبح المجال العام أكثر عرضة للاستقطاب والانفعال، وتغدو الطاقة الاجتماعية قابلة للاستهلاك في صراعات متكررة تستنزف الموارد والقدرات، من دون أن تنتج حلولاً حقيقية للمشكلات البنيوية التي تواجه المجتمعات.

كما تتراجع القضايا المرتبطة بالتنمية والتعليم والمعرفة وبناء المؤسسات أمام هيمنة الأحداث الآنية التي تستحوذ على الاهتمام لفترات قصيرة قبل أن تتوارى لتحل محلها موجة جديدة من الانفعال.

ومن هنا تبدو حكمة المتنبي أقرب إلى قاعدة في التفكير السياسي والاجتماعي، منها إلى مجرد حكمة شعرية؛ إذ إن جودة القرارات ترتبط بجودة الفهم الذي يسبقها، كما أن سلامة المسارات تتحدد بسلامة الرؤية التي ترسم اتجاهاتها.

فالمجتمعات التي تمنح الرأي مكانة القيادة تمتلك فرصة أكبر في إدارة تحولات الواقع وصناعة مستقبلها، بينما تجد المجتمعات التي تسند القيادة إلى الانفعال الآني نفسها أمام دورات متكررة من الحماسة والخيبة والانكسارات، ومن الصعود العاطفي السريع والارتطام القاسي بحدود الواقع.

ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها حكمة المتنبي تتصل بحاجة المجتمعات الدائمة إلى عقل جمعي قادر على الفهم والتحليل والتقدير الرشيد للأوضاع، وقادر كذلك على الموازنة بين الطموح والإمكان، وبين الأهداف والوسائل، وبين الحاضر ومآلاته المستقبلية.

فالقوة تظل مورداً مهماً في حياة الشعوب، غير أن قيمتها الحقيقية تتجسد في نوعية الرؤية التي توجهها، وفي قدرتها على التحول إلى أداة للبناء والاستقرار وصناعة المستقبل.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه مستويات التعقيد، تكتسب أولوية الرأي معناها الحضاري المتجدد بوصفها دعوة إلى استعادة مكانة المعرفة والحكمة والتبصر في إدارة الشأن العام، وإلى بناء ثقافة تتأسس على الفهم العميق للمستقبل، واستيعاب تحولات الواقع ومآلاته، وتمنح التفكير والتقدير الرشيد للأوضاع مكانتهما في توجيه القرار وصناعة الخيارات، وهي الثقافة التي تهيئ للمجتمعات شروط تجاوز الانتكاسات وبناء مسارات أكثر توازناً واستدامة في حركة التاريخ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك