تغيّرت العلاقات الدولية بشكل عميق خلال العقود الأربعة الماضية حتى بات في متناول أيّ دولة من الدول المصنّفة صغيرة وديكتاتورية أن تهدد أخرى كبيرة وديمقراطيةعندما اشتدت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في الربيع الماضي، وأبانت إيران عن قدرة على الرد وإزعاج العالم، قفزت إلى النقاش العام أفكار عن تغيّر هوية الحروب الحديثة.
أبرز ما جرى تداوله حتى في مستويات أكاديمية مرموقة أن حسم الحرب بمنتصر ومنهزم، كما كان الحال في السابق، لم يعد مطروحا الآن.
قيل إن مجرد تحمل الحرب ورفض الاستسلام يمكن اعتباره نصراً بالنسبة للقوى الصغرى، كما هو حال إيران حاليا.
الحقيقة أن هذا النوع من الأفكار مطروح منذ عقود.
أحد السبّاقين لطرح هذه الأفكار وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر.
في تحليله للطريقة التي أنهت بها الولايات المتحدة حربها على فيتنام، قال كيسنجر إن الجيوش النظامية «تنهزم عندما لا تنتصر، ويكفي القوى غير النظامية ألا تنهزم لكي تنتصر».
الجديد أن هذا الفهم لم يعد حكرا على الحروب والصراعات العسكرية.
دخل على الخط الضغط الاقتصادي والمصالح التجارية، فأصبح نجاح «الصغار» في ليّ ذراع «الكبار» وإجبارهم على التفاوض أو التسليم، مقياسا جديدا للنصر والهزيمة.
الأدوات الاقتصادية أشد فتكا اليوم من القوة العسكرية، وأفضل لـ»الصغار» للضغط على القوى الكبرى وإذلالها.
في منتصف الشهر الماضي أبلغ ناثانيال ريموند، رئيس مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأمريكية، لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني، بأن بريطانيا كانت في وضع جيد يؤهلها لمنع مذبحة كانت ستودي بـ60 ألف شخص في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لكنها اختارت عدم التحرك.
قال ريموند إن منظمته، مختبر البحوث الإنسانية، قدمت أكثر من 20 إحاطة للمسؤولين البريطانيين بين صيف 2023 وخريف 2025، تحذر من احتمال شنّ قوات الدعم السريع هجوما على الفاشر المحاصرة، وأن العواقب قد تكون وخيمة.
لكن لندن قابلت هذه التحذيرات بالتجاهل والرفض مرارا وتكرارا، كما أضاف.
وختم ريموند إحاطته بالقول إن وزارة الخارجية البريطانية «منحت الأولوية للمصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة على حساب منع التجويع المتعمد والتهجير القسري والإبادة الجماعية لعشرات الآلاف من المدنيين» السودانيين.
قد تكون حالة السودان هي الأكثر فجاجة وإثارة للألم نظرا لحجم الكارثة الإنسانية هناك، ولأن السودان حاضر في عناوين الأخبار العالمية.
لكن الحالة حتما ليست فريدة وليست جديدة.
لقد تغيّرت العلاقات الدولية بشكل عميق خلال العقود الأربعة الماضية حتى بات في متناول أيّ دولة من الدول المصنّفة صغيرة وديكتاتورية أن تهدد أخرى كبيرة وديمقراطية يسود فيها العدل والقانون، من بوابة المصالح الاقتصادية.
كم من مواطن مطلوب في دولته الديكتاتورية سلمته دولة ديمقراطية في جنح الظلام مقابل الحفاظ على صفقة تجارية أو مصلحة اقتصادية؟ كم من ديكتاتور صغير هدّد حاكما ديمقراطيا كبيرا وأجبره على الدوس على مبادئ القانون والديمقراطية من أجل مصلحة اقتصادية.
لا يحتاج الأمر إلى مصالح بالمليارات، بل تكفي صفقة تحمي عشرات الوظائف في مصنع صغير في أوروبا أو أمريكا لتغيّر المسار.
في 2016 عندما اشتدت الأزمة بين مصر وإيطاليا بسبب مقتل الطالب جوليو ريجيني في ظروف غامضة بالقاهرة، واقتربت من القطيعة، سعت دول أوروبية في السر للحلول محل إيطاليا في الصفقات التي كانت عالقة بين روما والقاهرة، وإحداها تخص بوارج حربية.
هذه دول من العائلة الأوروبية نفسها، ومن المفروض أنها متفقة ومصالحها واحدة، لك أن تتخيّل كيف ينتظر البعيدون فشل الصفقات وكيف يتربصون للانقضاض عليها.
قبل ثلاثة أو أربعة عقود كانت الحكومات الأوروبية تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل استعادة مواطن واحد يُعتقل في الخارج، عن حق أو عن باطل، لا يهم، خصوصا في دول العالم الثالث.
لعل من تابع الصحافة البريطانية في منتصف تسعينيات القرن الماضي يتذكر قضية الممرضتين البريطانيتين اللتين أُدينتا بقتل زميلتهما الأسترالية في السعودية، وحكم عليهما بالإعدام.
آنذاك تضافرت الجهود: نسي المجتمع البريطاني كل همومه وتجند في عمل جمعوي رائع وراء الممرضتين ديبوراه باري ولوسيل ماكلوكلان، وتركت حكومة توني بلير كل شيء لتتفرغ للقضية، إلى أن انتزعت عفوا عنهما من الملك فهد وعادت الممرضتان إلى بريطانيا عودة الأبطال.
لو حدثت تلك القضية اليوم، غالبا كانت الممرضتان ستقضيان قسطا معقولا من عمرهما في السجن.
لا المجتمع البريطاني يمتلك الطاقة نفسها للتجند من أجلهما، ولا الحكومة تملك الرغبة والأدوات لانتزاع عفو عنهما.
التغيّر العميق الذي حدث أودى بالشعارات والمبادئ.
لو كنت مواطنا غربيا، أو تحمل جواز سفر غربيا، وقادك حظك العاثر إلى موقف سيئ من هذا النوع، قد تقف معك حكومتك، لكن بالحد الأدنى.
تدافع عنك، لكن ما أن تشعر بالقليل من التصلب أو الرفض حتى تتراجع وتكتفي بالحد الأدنى لحفظ ماء الوجه أمام التزاماتها العلنية والمجتمع الذي تمثل.
وحتى عندما تكون حكومة غربية ما صادقة مع نفسها وتجاه مواطنيها، تفضّل العمل في السر والهدوء لتفادي إغضاب الطرف الآخر وعدم إبرازه خاضعا وبلا سيادة.
هناك أسباب عدّة قادت إلى هذا التطور نحو الخلف.
منها الأزمات الاقتصادية التي تضرب المجتمعات الغربية وتجبر الحكومات على التضحية بمبادئ وقوانين راسخة صلب وجودها.
تبدُّل المصالح وتكدس الخيرات الطبيعية في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، واشتداد المنافسة عليها، عوامل ساهمت في الوضع الذي نحن بصدده.
هناك أيضا انعدام الثقة وانتشار الغدر في العلاقات الدولية.
وأنت تقرأ هذا النص ثق أن دولة ما، أو أكثر، في الاتحاد الأوروبي تحفر لدولة أخرى في التكتل نفسه لتسرق منها صفقة أو مصلحة ما.
لهذا أصبح لسان حال الحكومات الغربية أن لا أحد يستحق التضحية بمصالح الأمة من أجله.
رفضُ بريطانيا التضحية بمصالحها مع الإمارات من أجل مدنيي السودان أمر غير أخلاقي، أكيد، لكنه مفهوم.
بريطانيا ليست الأسوأ، أيّ دولة غربية أخرى في مكانها ستتصرف مثلها وأكثر.
والإمارات ليست استثناءً، بل هناك دول أقل من الإمارات ثراءً ونفوذا تلعب اللعبة نفسها وتنجح.
فوق كل هذا، أي حكومة تجد نفسها في هذه المواقف غير المريحة تتصرف الآن بلا حرج أو خجل، لأن التغيير سحق في طريقه هاتين الخصلتين أيضا.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك