أعلن نيتشه «موت الإله»، أو «السلطة المقدسة»، و أكد بارت «موت المؤلف»، أو السلطة المفاهيمية»، الأمر الذي انتهى بنا – في نهاية المطاف – إلى انهيار القيم، وتساقط المعاني، ما أثر على مناحي حياتنا المختلفة«موت الإله» مصطلح فلسفي يعود للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وهو مصطلح يعني في وجه من الوجوه انتقال الثقل من الإله إلى الإنسان، والتوقف عن الاعتقاد بـ»مركزية الإله» في الكون، والانتقال منها إلى «مركزية الإنسان» في العالم، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج في مجالات مختلفة، في القيم والأخلاق والمعايير.
أما «موت المؤلف» فمصطلح نقدي يعود للناقد الفرنسي رولان بارت الذي أراد، من خلاله، أن يسوق لفكرة تجاوز المعنى لقصد المؤلف، إلى «فهم القارئ»، أي أن المعنى ليس بالضرورة ما قصده المؤلف، ولكن ما فهمه القارئ، في نسق يعكس جدلية المعنى بين الملقي والمتلقي والنص.
قد يظهر للوهلة الأولى أنه لا علاقة للمصطلحين ببعض، فمصطلح «موت الإله» ينتمي للحقول الفكرية والفلسفية، فيما ينتمي مصطلح «موت المؤلف» للحقول الأدبية والنقدية، غير أن المصطلحين يعكسان الرغبة في إنهاء مفاهيم قديمة، لإتاحة الفرصة لمفاهيم أخرى حديثة، حيث يراد لـ»موت الإله» أن يضرب فكرة مركزية الدين، ويراد لـ»موت المؤلف» أن يضرب فكرة مركزية المعنى.
وفي الوقت الذي ينتقل نيتشه من «واحدية الإله» إلى «تعددية الإنسان» فإن رولان بارت ينتقل من «واحدية المؤلف» إلى «تعددية القراء»، وبالتالي فالنظرية التقليدية التي تقول إن «المعنى في بطن الشاعر»، تتحول لدى الاتجاهات التفكيكية، واتجاهات ما بعد البنيوية، ليصبح المعنى «في بطن القارئ»، ليؤكد جاك دريدا أن النص لا يمتلك معنى واحدا، بل مستويات مختلفة من المعنى.
وهنا يبدو أثر نيتشه وأفكاره التي هدفت إلى ضرب القداسة والمركزية، يبدو هذا الأثر واضحاً على تيارات التفكيك وما بعد البنيوية التي حاولت ضرب «المركزية المفاهيمية»، على مستوى اللغة، تماماً كما حاول نيتشه ضرب «المركزية الإلهية»، في «موت الإله»، وهي الفكرة التي حولت المركزية من «الإله» إلى الإنسان، وأسست للفصل بين الدين والأخلاق، وفتحت المجال واسعاً للأفكار التي ضربت القيم، وفتحت المجال لعدمية المعنى، ثم جاءت اتجاهات ما بعد الحداثة التي شككت في «السرديات الكبرى»، والحقائق المطلقة.
وإذا كانت فلسفة «موت الإله» عند – نيتشه – تهدف إلى ضرب «السلطة المرجعية» في الدين والأخلاق، حيث لم يعد الإله هو مصدر القيم والأخلاق والتعاليم فإن فكرة «موت المؤلف» – عند بارت – تهدف إلى ضرب «السلطة المرجعية» في الأدب والنقد، حيث لم يعد المؤلف هو السلطة المتحكمة في المعنى، وإذا كان هدف ضرب السلطة المرجعية مشتركاً بين نيتشه وبارت فإن أثر تهاوي تلك السلطة قد انزاح ليشمل مجالات أخرى، غير الدين والأدب، وذلك إثر الضرب المستمر بمعاول الهدم، في أسس السلطة المرجعية، بأنماطها المختلفة.
وإذا كان ضرب السلطة المرجعية يهدف إلى إتاحة الفرصة للتعددية في العلوم والفكر والأخلاق والقيم فإن ضرب تلك السلطة قد أدى إلى نوع من الانفلات القيمي والميوعة المعيارية، حيث أصبح بإمكان كل عصر إعادة تعريف مفاهيمه الثقافية، وإعادة إنتاج معاييره الأخلاقية، وبالتالي يصبح الأمر خاضعاً لحركة المجتمع، وتغدو الأديان والأخلاق مجرد ظواهر اجتماعية، لا علاقة لها بالحقائق المطلقة، ولا بالسرديات الكبرى التي لا وجود لها، حسب اتجاهات ما بعد الحداثة، رغم أن التفكيكية وما بعد البنيوية إنما كانت تهدف إلى ضرب «مركزية المعنى»، لإتاحة الفرصة أمام «التعددية التأويلية»، وهو الأمر الذي تجاوزته اتجاهات ما بعد الحداثة إلى نسف الثوابت الروحية والمرجعيات القيمية.
وبما أن المعاني والمعايير والمفاهيم غير ثابتة فإن النظرة للأسرة والزواج، والمسؤولية والواجب، والحق والباطل، والصواب والخطأ تعد نظرة نسبية، ويمكن إعادة تشكيل تلك المفاهيم، بناء على تطور الثقافة المجتمعية، حيث تعد الأسرة – على سبيل المثال – بشكلها التقليدي مؤسسة يمكن إعادة النظر إليها، ومن ثم إعادة صياغة مفهومها، بعيداً عن كونها سلطة تقليدية، وهنا يمكن لأي اثنين أن يشكلا أسرة، خارج إطار الزواج، ثم تجاوز الأمر إلى أن أصبح من الممكن للرجل أن يشكل أسرة مع رجل آخر، وهو الشأن ذاته الذي يمكن أن تفعله امرأة وأخرى، بما أن المفهوم التقليدي للأسرة لا يجوز أن يستمر، وبما أن المفاهيم الحديثة للأسرة، على سبيل المثال، يعاد إنتاجها، بناء على الحاجات والغرائز والمصالح والتوجهات المجتمعية، والقيم الجديدة المتحولة التي تحررت من المعيارية، وأصبحت لا تقاس بمدى تطابقها مع المعايير، ولكن بمدى مواءمتها للتطورات الاجتماعية.
قد يرى كثيرون أنه لا علاقة بين الطروحات الفلسفية والنقدية المذكورة آنفاً وبين ما تعانيه الحياة المعاصرة، من انفلات قيمي، وتدني مستويات المسؤولية الجماعية، وترهل القيم والثوابت في نفوس الأجيال الجديدة التي مكنتها منتجات التكنولوجيا من الانفتاح على كميات مهولة من المعلومات والأفكار والتوجهات التي تدعو للثورة على التقاليد، غير أن تلك الطروحات الفلسفية والنقدية كان لها دور في نسف المرجعيات الدينية والقيمية والمفاهيمية، بعد أن استمرت أسماء كبيرة تبشر بتلك الطروحات، إلى أن وصلنا إلى مستوى من الوعي يرى في السلطة ضرباً من القيد، في تجاهل لحقيقة كون السلطة – ثقافية أو قيمية – ضرورية للحماية من الانزلاق نحو الفوضى والعدمية، رغم ما يُرى فيها من قيود وكوابح.
واليوم ترتفع الكثير من الأصوات التي تندفع بغريزة القطيع متفلتة من كل الضوابط، بحجة أن كل ما هو مطروح نسبي، يخضع لتطورات المجتمع، وأن الأديان والقيم والأخلاق والمعاني كلها منتجات مجتمعية، وصناعات بشرية، الهدف منها مجرد التحكم في مصير الإنسان، وأن هذا الإنسان لكي يعيش حراً، فلابد له من التخلص من أي شكل من أشكال السلطة التي تقيد حريته الفردية، وتكبح طموحاته وإبداعاته، بما أن نيتشه قد أعلن «موت الإله»، أو «السلطة المقدسة»، وبما أن رولان بارت قد أكد بدوره «موت المؤلف»، أو السلطة المفاهيمية»، وهو الأمر الذي انتهى بنا – في نهاية المطاف – إلى انهيار القيم، وتساقط المعاني، الأمر الذي ألقى بظلاله على مناحي حياتنا المختلفة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك