ما يجري على ساحة الشرق الأوسط منذ اليوم الأخير في شهر فبراير المنصرم، ليس معركة ولا هي عملية عسكرية كما يدعي الذين بادروا إلى إشعال الأوضاع.
هي حرب بامتياز حتى أنها تتجاوز حدود الحرب الإقليمية، التي حذرت من وقوعها أطراف عديده في المنطقة والعالم، خلال حرب السنتين على قطاع غزة، التي لم تتوقف بعد تداعياتها ولا تزال تحدث الكثير من الحراكات.
مع مرور الوقت تظهر مؤشرات مؤكدة على أن قرار شن الحرب على إيران كان قد تم اتخاذه، قبل وقت من بدئها، ولم تكن المفاوضات الإيرانية الأمريكية سوى فصل من فصول التضليل والخداع، لكسب الوقت إلى أن تكتمل التجهيزات اللازمة لخضوعها.
في الواقع فإن هذه الحرب، تشكل أحد فصول الحرب العالمية التي أطلقها الرئيس ترمب، بعد دخوله البيت الأبيض، واتخذت طابعا اقتصاديًّا لا يخلو من إمكانيه استخدام القوة التي يتباهى بها الرئيس الأميركي كل الوقت.
الرئيس الذي اتهم الديمقراطيين بأنهم، من تسببوا في نشوب الكثير من الصراعات والحروب، وفرطوا بمصالح الولايات المتحدة، مدعيًا أنه يحمل رؤية السلام، والقدرة على إنهاء الكثير من الحروب، كان هو وفريقه المسؤول عن استدامه بعض الحروب، وإشعال بعضها الآخر في محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى الدولية لصالح الولايات المتحدة.
نيران الإدارة الأميركية، وهي تسعى لذلك، والإطاحة بمقومات وقيم النظام العالمي ومؤسساته، لا يدرك أنه يشعل في الداخل الأميركي حروبا وصراعات، ويعمق الانقسامات، بما لا يجعل أهدافها قابلة للتحقيق، بل ربما تعود على الولايات المتحدة بكثير من المخاطر.
وبينما يحاول الرئيس ترامب، تحقيق إنجازات كبرى، تؤمن له الفرصة لولاية ثالثة، كان رئيس الحكومة الإسرائيلية يسابق الزمن، واستغلال الوقت المتاح للرئيس ترمب في البيت الأبيض لتحقيق قفزة كبيرة واستراتيجية، نحو تحقيق هدف إسرائيل الكبرى والسيطرة على الشرق الأوسط.
هكذا فإن ما صرح به السفير الأميركي في إسرائيل مايكل هاكابي حول حق سرائيل في تحقيق توسعها في الإقليم، لم يكن من بنات أفكاره بقدر ما أنها تعبر عن رؤية أميركية إسرائيلية مشتركة تتفق تماما مع سلوك الولايات المتحدة.
الرئيس ترامب، يعلن رفضه قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية التي يطلق عليها هاكابي (يهودا والسامره) لكنه يتواطأ مع عمليه الضم الفعلي الذي تسارع إسرائيل في فرضه على الواقع.
كان الرئيس الأميركي يدرك كل الوقت أن إسرائيل ليست بصدد وقف حروبها على الفلسطينيين والمنطقة، ولم تكن خطة العشرين بندًا، وما يسمى بمجلس السلام الذي يرأسه، سوى آليه من آليات تمكين إسرائيل في مواصلة تحقيق أهدافها.
كان ذلك واضحا إزاء التواطؤ الأميركي مع السلوك التوسعي والعدواني الإسرائيلي تجاه غزة والضفة ولبنان وسوريا، ودورها في تهديد الأمن القومي السعودي والمصري والعربي عمومًا عبر توصيل أدواتها في السودان واليمن والصومال والقرن الافريقي، وفي البحر الأحمر.
في اعتقادي أن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، راهنتا على أن الضربة الأولى التي استهدفت المرشد الأعلى وعدد من القيادات العسكرية والسياسة، ستؤدي إلى استسلام إيران التي تعاني ظروفًا اقتصاديه هائلة، من شأنها أن تحفز الشارع الإيراني على الخروج بأعداد ضخمة إلى الشارع للإطاحة ببقايا النظام المتهالك.
قدرة إيران على استعادة توازنها وترتيب أوضاعها، وسرعتها في الرد على نحو واسع، فاجأت القيادتين الأميركية والإسرائيلية، وأربكت حساباتهما.
ليس بدون حسابات، بادرت إيران إلى توسيع الحرب حتى شملت مروحة واسعة من القواعد، والأهداف الأميركية في كل دول الخليج بالإضافة إلى إسرائيل، بالرغم من أن هذا السلوك قد يؤخذ على محمل خوض معركة شمشونية وجودية.
هكذا ارتبك المشهد، واختلت الحسابات، ويبدو أن الشركاء الأميركيين والإسرائيليين قد انتقلوا إلى الخطة (ب)، والتي تقتضي دفع السعودية ودول الخليج نحو الانخراط في الحرب وعدم الاكتفاء بالدفاع.
إيران نفت رسميًا ومرارًا أنها من قامت بقصف أرامكو، والسفارة الأمريكية في الرياض ما ينطوي على احتمال شبه مؤكد أن إسرائيل هي من قامت بذلك ويمكن أن تقوم باعمال مشابهة، لتحريض السعودية على الدخول في الحرب.
أما النقطة الثانية من الخطة (ب)، فهي تقوم على تحريك القوات المسلحة الكردية في شمال العراق، نحو تحريك خمسة عشر مليون كردي في إيران للبدء بعملية برية، تربك المشهد الإيراني، وتشكل مدخلاً للفوضى والانقسام.
ثمة مسألتان يتوجب الإشارة إليهما في هذه الخطة، الأولى أن دول الخليج بدأت تدرك أن الولايات المتحدة، التي جندت كل إمكانياتها للدفاع عن إسرائيل، لم تقم بما عليها لحماية دول الخليج، الأمر الذي ستكون له تداعيات مهمة لاحقاً.
والثانية هي أن التحرك البري عبر أكراد العراق، من شأنه أن يشعل إنذار الخطر لدى العراق وتركيا وسوريا وايران، وهي الدول التي يتواجد فيها الأكراد الذين يتطلعون إلى توحيد قواهم وتحقيق استقلالهم.
بعد هذه المقدمة الضرورية ثمة للحديث بقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك