يترقّب الاقتصاد الجزائري" موجة تضخمية" مستوردة، مع اتساع تأثيرات الحرب بسلاسل الإمداد الدولية.
وفيما تستفيد البلاد من ارتفاع أسعار النفط لتعزيز إيراداتها، إلا أن اعتمادها على استيراد السلع الأساسية يرفع فاتورة النفقات، وسط تأثير إغلاق مضيق هرمز على حركة البضائع، وانعكاس تقلص المعروض النفطي على كلفة الإنتاج في الدول الكبرى.
ويرى الخبير الاقتصادي والمالي، ناصر سليمان، أن تداعيات الحرب واستمرار إغلاق مضيق هرمز يضعان الاقتصاد الجزائري أمام معادلة معقدة، تجمع بين مكاسب ظرفية مرتبطة بارتفاع أسعار النفط، وتحديات متوسطة المدى تتعلق بالتضخم وتكاليف الاستيراد وقيمة العملة الوطنية.
ويوضح سليمان ناصر، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن الجزائر ستستفيد على المدى القصير من الارتفاع المسجل في أسعار النفط، حيث انتقل سعر البرميل من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 100 دولاراً أمس الخميس، ما يعزز مداخيل البلاد من العملة الصعبة ويدعم الاحتياطي النقدي.
وفيما يتعلق بقيمة العملة الوطنية، يشير الخبير إلى أن تحسن مداخيل الجزائر من العملة الصعبة يمكن أن يدعم نسبياً سعر صرف الدينار الجزائري مقابل العملات الأجنبية، إذ إن الارتفاع لن يكون كبيراً كون العملة غير خاضعة لقانون العرض والطلب، إذ يجري تحديد سعر الصرف في الأجل القصير عبر إدارة البنك المركزي، الذي يستند إلى سلة من العملات الرئيسية المرتبطة بالتجارة الخارجية، فيما تُراعى في الأجل المتوسط عوامل متعددة، منها مستوى المداخيل النفطية وتنافسية الاقتصاد والتوازنات الكلية.
وبناء على ذلك، قد ينعكس التحسّن الكبير في العائدات النفطية، إذا استمر، في شكل دعم نسبي لقيمة الدينار على المدى المتوسط.
ويؤكد سليمان ناصر أن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز سيؤديان إلى ندرة الإمدادات في الأسواق العالمية، وتعطل سلاسل التموين، وارتفاع تكاليف الشحن البحري بسبب المخاطر الجيوسياسية ونقص الوقود، ما يفتح الباب أمام موجة تضخم عالمية.
وهذا التضخم سينتقل إلى الجزائر عبر ما يُعرف بـ" التضخم المستورد"، بحكم اعتماد السوق الوطنية على استيراد جزء كبير من احتياجاتها.
أما بخصوص تكاليف الاستيراد الوطنية، فيشير الخبير إلى أن التأثير سيكون مباشراً، سواء تعلق الأمر بالسلع النهائية التي تُستورد وتباع على حالتها، أو بالمواد الأولية التي تدخل كمدخلات في الإنتاج الصناعي المحلي.
فارتفاع أسعار المواد الأولية عالمياً سينعكس بدوره على تكلفة الإنتاج داخل الجزائر، حتى وإن كان المنتج يُصنع محلياً، بسبب اعتماد جزء من مكوناته على الاستيراد.
هذه المعطيات تجعل الاقتصاد الجزائري، حسب الخبير، أمام وضعية دقيقة، فارتفاع أسعار النفط يمنحها هامشاً مالياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحديات تضخمية وضغوط على الاستيراد والقدرة الشرائية.
ومن ثمة يبقى الرهان في حسن إدارة الفوائض المالية، وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، لتخفيف أثر الصدمات العالمية.
من جهته، يؤكد خبير الطاقة، عبد الرحمن مبتول، تأثير موجة تقلبات أسعار النفط والغاز الأخيرة على البلاد، لا سيما الغاز -بحكم أن الحقول الجزائرية تنتجه- الذي ارتفع سعره بشكل حاد، مسجلاً مستويات لم تشهدها الجزائر منذ عام 2022.
هذه التحركات تحمل انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الوطني، الذي يعتمد بشكل كبير على إيرادات صادرات المحروقات لتمويل الميزانية العامة ودعم المشاريع التنموية.
ويشير المتحدث إلى أنّ الإنتاج المحلي للغاز والنفط، رغم تحسنه في السنوات الأخيرة، يظل مرتبطاً بأسعار السوق العالمية، ما يجعل الاقتصاد الجزائري معرضاً للصدمات الخارجية.
أي زيادة في أسعار النفط تعني إيرادات إضافية للخزينة، بينما أي انخفاض يفرض على الحكومة اتخاذ تدابير لضبط النفقات وتقليص العجز المالي.
كما يشدد الخبير على دور استراتيجية التنويع الاقتصادي، مشيراً إلى أن الاعتماد المستمر على المحروقات وحده لا يكفي لمواجهة تقلبات السوق العالمية.
الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتطوير الصناعات المحلية المرتبطة بقطاع الطاقة، يمثلان أدوات حماية فعالة لاستقرار الاقتصاد الوطني، وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك