في مضيق هرمز يجري اختبار خيارين لإدارة أزمة توقف الإمدادات بسبب الحرب على إيران وتعطل الملاحة:خيار القوة وعسكرة الممرات،وخيار الدبلوماسية والمفاوضات.
وقد اختارت واشنطن المسار الأول، بينما سلكت دول أخرى المسار الثاني.
ففي الوقت الذي يحاول فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حشد الدول الغربية والأوروبية وأعضاء حلف الناتو لمجاراته في إستراتيجية الحشد العسكري لإرسال سفن حربية لتأمين مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز دون نتيجة، اتخذت الهند ودول أخرى مسار الدبلوماسية والتفاوض مع إيران لتأمين جزء من احتياجاتها النفطية، من خلال السماح بمرور ناقلاتها، في ظل وصول أسعار الخام والطاقة إلى مستويات قياسية.
على الجهة الأخرى من جغرافيا العالم، تلتزم قوى كبرى حتى الآن الصمت تجاه ما يحدث في منطقة الخليج، وفي مقدمتها الصين وروسيا ودول مجموعة بريكس.
الكلفة المرتفعة لأي عملية تأمين عسكري للمضيق تشكل عاملا إضافيا يفسر جانبا من هذا الموقف الأوروبي؛ فقد أشار الخبير الجيوسياسي الألماني كليمنس فيشر إلى أن تأمين مرور ثلاث ناقلات نفط كحد أقصى في الأسبوع من مضيق هرمز يحتاج إلى نحو 50 سفينة مرافقةلم يستطع دونالد ترمب حتى الآن كسب تأييد أوروبي وغربي واضح بشأن موقفه لتأمين مرور ناقلات النفط، في وقت نقل فيه عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، قولها: “ليس لأوروبا مصلحة في حرب مفتوحة، فهذه ليست حربنا”، في إشارة واضحة إلى عدم رغبة الأوروبيين في صب مزيد من الزيت على لهيب حرب قد تعمق جراح اقتصاد القارة العجوز.
وبدا ترمب منزعجا من موقف الأوروبيين، ومن موقف حلف الناتو الذي وصفه بأنه “خطأ أحمق للغاية” ومخيبا للآمال، بل وصرح بأن بلاده ربما تعيد النظر في عضويتها ضمن الحلف.
إن أوروبا تدرك جيدا أن ترمب أدار ظهره لها في أكثر من محطة، بل وشن عليها حرب رسوم جمركية أثقلت كاهل اقتصادها، الذي يعاني أصلا من صعوبات ومشكلات اقتصادية.
كذلك تدرك أوروبا أن الولايات المتحدة تمتلك قدرا مهما من الإنتاج الداخلي الذي يمكنها من تأمين جزء كبير من احتياجاتها، حتى وإن أدى ذلك إلى التأثير على الداخل الأمريكي، في حين يعلم الأوروبيون أنه لا بديل فعليا لهم عن نفط منطقة الخليج، خاصة بعد تقليص علاقتهم مع روسيا بفعل الحرب الأوكرانية، وهو ما يجعلهم متضررين من جهتين: من انقطاع الإمدادات الروسية، ومن أي تعطل مستمر لتدفقات النفط عبر مضيق هرمز.
وقد يكون هذا الموقف الأوروبي مرتبطا بتوجه ترمب نحو تخفيف جزء من القيود على النفط الروسي، وهي خطوة اعتبرتها أوروبا خطيرة، لأنها قد تمنح موسكو شريانا جديدا لضمان بيع مزيد من منتجاتها النفطية، في وقت ما تزال فيه الحرب في أوكرانيا مستمرة.
كما أن الكلفة المرتفعة لأي عملية تأمين عسكري للمضيق تشكل عاملا إضافيا يفسر جانبا من هذا الموقف الأوروبي؛ فقد أشار الخبير الجيوسياسي الألماني كليمنس فيشر إلى أن تأمين مرور ثلاث ناقلات نفط كحد أقصى في الأسبوع من مضيق هرمز يحتاج إلى نحو 50 سفينة مرافقة.
كما لا يمكن فصل ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية عن تفسير هذا الموقف الغربي؛ فبلوغ بعض الخامات مستويات مرتفعة يعكس حجم القلق من أي إخفاق أمني في تأمين مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
كل هذه المعطيات تجعل الدول أكثر حذرا بشأن الموافقة على المقترح الأمريكي، لأن كلفة أي فشل لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضا تمتد إلى الأسواق العالمية.
مسار المفاوضات ربما أسهم في تأمين مصالح هذه الدول بأقل تكلفة، وبالمقابل سيوفر لإيران حدا أدنى من التدفقات المالية في ظل العقوبات، وفي ظل حاجتها المستمرة إلى الموارد لتأمين تكاليف حربها مع إسرائيل وأمريكاالهند ودبلوماسية المفاوضاتوفي مقابل عدم نجاح منطق القوة في تأمين تدفقات النفط، اختارت دول أخرى طريق المفاوضات المباشرة.
الهند، وإلى جانبها العراق وتركيا، سلكت مسار الدبلوماسية والحوار المباشر مع الإيرانيين، وفق ما ينقله المسؤولون هناك.
فقد استطاعت هذه الدول أن تؤمن حدا أدنى من مرور ناقلات النفط دون استعراض للقوة، كما هو الشأن بالنسبة للهند، أو أن تفتح جسرا للحوار مع طهران، كما هو الحال بالنسبة للعراق، أو أن تتلقى وعودا بإمكانية مرور سفن لها، كما هو الأمر بالنسبة لتركيا، وفق ما تنقل بلومبيرغ.
وقد يكون السبب أن هذه الدول ما زالت تحتفظ بعلاقات مع إيران، ولم تنخرط في التصعيد، بل حافظت على قدر من التوازن.
فالهند، باعتبارها من كبار مستوردي النفط، تحتاج إلى تأمين تدفقاته، والعراق مرتبط بالجغرافيا والتداخل مع إيران، وتركيا تعتمد مقاربة براغماتية في إدارة علاقاتها مع بلدان الجوار.
إن مسار المفاوضات ربما أسهم في تأمين مصالح هذه الدول بأقل تكلفة، وبالمقابل سيوفر لإيران حدا أدنى من التدفقات المالية في ظل العقوبات، وفي ظل حاجتها المستمرة إلى الموارد لتأمين تكاليف حربها مع إسرائيل وأمريكا.
ويتزامن ذلك مع أنباء تفيد بأن إيران قد تتجه إلى طلب عملات بديلة، وعلى رأسها اليوان الصيني، مقابل تصدير نفطها عبر مضيق هرمز، وهي خطوة مالية إستراتيجية تتعاضد مع" أساطيل الظل"، التي تضمن وصول الإمدادات بعيدا عن الرقابة الدولية.
هذا الدمج بين الأداة اللوجستية (أساطيل الظل) والأداة المالية (اليوان) قد يقوض دور الدولار كعملة مهيمنة في سوق الطاقة العالمي، ويمنح قوة أكبر للعملة الصينية.
يمتد هذا الصمت أيضا إلى روسيا، التي تبدو مستفيدة من الوضع الحالي، خاصة مع أي تخفيف محتمل للقيود على نفطها، ما يمنحها موارد إضافية تدعم ميزانيتها وقدرتها على الاستمرار في الحرب مع أوكرانياويبقى الصمت الذي تلتزمه الصين تحديدا، وكذلك دول بريكس وروسيا، عنصرا لافتا في هذا المشهد، وهذا الصمت لا يمكن فصله عن ضرورة التريث في المواقف في مثل هذه الأزمة.
فهذه الدول، وإن لم تكن مع إيران، فهي لا تمارس ضغطا عليها، وتحتفظ بمواقفها دون الانخراط في المسار الأمريكي، كما أن موقفها هذا قد يفهم من الجانب الأمريكي على أنه محاولة مسك العصا من الوسط، وتفضيل مراقبة ساحة المعركة من بعيد قبل الاصطفاف في آخر لحظات الحسم.
ولا يعرف بالضبط كيف يمكن تفسير هذا الصمت: أهو بسبب امتلاك هذه الدول، وعلى رأسها الصين، ما يكفي من الاحتياطيات، أم لأنها تؤمن احتياجاتها عبر قنوات أخرى، سواء عبر ترتيبات خاصة أو عبر ما يعرف بأساطيل الظل في التعامل مع النفط الإيراني.
ويمتد هذا الصمت أيضا إلى روسيا، التي تبدو مستفيدة من الوضع الحالي، خاصة مع أي تخفيف محتمل للقيود على نفطها، ما يمنحها موارد إضافية تدعم ميزانيتها وقدرتها على الاستمرار في الحرب مع أوكرانيا.
هذا يزيد من تعقيد الموقف الأوروبي؛ فبينما اعتقد كثيرون أن روسيا ستخرج عن صمتها لتقف إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، اختارت موسكو الاستفادة من الوضع القائم لتفرض نفسها لاعبا حاسما في سوق الطاقة العالمي، وترفع سقف شروطها في علاقتها مع الأوروبيين.
والخلاصة أن من اختار مسار الدبلوماسية والمفاوضات ربما تمكن من تأمين جزء من مصالحه، بينما لن تنجح القوة وحدها في فرض واقع جديد في واحد من أهم الممرات النفطية في العالم.
فلا مصلحة للعالم إلا بالحوار والتفاوض ونهج الدبلوماسية في حل المشكلات، أما القوة فلا تأتي إلا بالشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك