برز دونالد ترامب كحالة شاذة في تاريخ الرئاسة الأمريكية، والسبب الأول وراء ذلك هو أن الرجل ليس كائنًا سياسيًا بامتياز، ولهذا لا يمكن التنبؤ بأفعاله، وليس لديه القدرة الفكرية لضبط كلامه كما تتطلب السياسة.
وفي سعيه المسعور لهدم الدور المؤسسي للدولة وتحويل «الجمهورية» إلى مجرد «دكان» خاص يديره عطار أو بائع خضار، فهو لا يرى في لغة السياسة سوى شأن غير ذي جدوى.
ولهذا أحدث ترامب طفرة جينية مشوهة في لغة الخطاب، تتجلى بوضوح حين يقارب قضايا وجودية كالحرب والسلام، أو تحالفات معقدة بحجم حلف شمال الأطلسي، بلغة الشارع الفجة.
ومعه لم تعد الدبلوماسية الدولية تُقاس بالكلمات المنتقاة خلف الأبواب المغلقة، بل بمدى قدرته كـ«زعيم» وليس كرئيس منتخب، على استخدام لغة الشارع ونقل أسوأ تعابيرها وأكثرها رداءة بوقاحة إلى المكتب البيضاوي، ليتناول بها أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيدًا وكأنه يفاصل على سعر الطماطم أو البيض في سوق شعبية يملأ ضجيجها الأفق.
والانتشار السريع لما يقوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منصته «تروث سوشال»، التي أنشأها لنفسه بعد طرده من منصة إكس «تويتر» سابقًا عام 2021 و«فيسبوك» وغيرهما، جعل ملاحقة سيل تدويناته المندفعة وفهم مقاصده أمرًا يفوق في صعوبته ملاحقة بطل ماراثون في مضمار مفتوح!مؤخرًا، لم يجد ترامب حرجًا في استخدام لفظ سوقي وقح وهو (Kiss my ass)، أي «قبّل مؤخرتي»، في معرض حديثه عن حليف استراتيجي وعسكري واقتصادي بوزن السعودية، ممثلة في ولي عهدها محمد بن سلمان، الذي كان المرمى المباشر لهذا القذع اللفظي القبيح.
وهو تعبير سنعود لتحليله لاحقًا لنكشف كيف تحولت الإهانة إلى أداة تفاوضية في قاموس «سيد البيت الأبيض».
إن هذا التجريف المتعمد للغة السياسة، وتسطيحها والحط من قدرها، هو هبوط اضطراري لم يسبقه إليه أحد، ولا حتى الراحل رونالد ريغن (1981–1989)، الذي يرى كثيرون أن ترامب يشبهه من حيث محدودية معرفته بالعالم والسياسة، إلا أن ريغن ظل على الأقل محتفظًا بحد أدنى من اللياقة الدبلوماسية والتحفّظ في كلامه وانتقائه لكلماته.
بينما اختار ترامب أن يخلع عن السياسة ثوب وقارها، ليتركها عارية تمامًا وسط لغة الزقاق.
وكان ريغن إلى حد كبير يعتمد في خطاباته لغة رصينة لها جذور أيديولوجية واضحة وسهلة الفهم، ولهذا نال لقبه الشهير «المحاور العظيم (the great communicator)».
وحتى في تناوله لـ«إمبراطورية الشر»، الاتحاد السوفييتي السابق، ظل رصينًا ومنضبطًا، وحين كانت تخونه التعابير أو تخذله المعلومات، كان يلوذ بذكائه الفطري وبديهيته السريعة، محولًا «هفوات» الكلمات إلى نكات ساخرة بلمسة محببة، بينما يحوّل ترامب هفواته، وهي كثيرة ومتكررة، إلى سكاكين لغوية تطعن في هيبة المنصب والدولة.
لنعد الآن إلى واقعة محمد بن سلمان و«تقبيل مؤخرة ترامب».
لنتساءل بجدية: ما الذي حدث، وأين، وكيف؟ كان ترامب يتحدث في 27 مارس 2026 خلال قمة «أولويات مبادرة مستقبل الاستثمار» (FII Priority) في ميامي، وهي مؤسسة ممولة بالكامل من الرياض وتعد الواجهة الاستثمارية العالمية لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يدير أصولًا تقترب من تريليون دولار.
وكان هدف المؤتمر جذب رؤوس الأموال السعودية والخليجية إلى السوق الأمريكي، وحضرته نخبة من كبار رجال الأعمال والمستثمرين، ومعظمهم من السعوديين.
وفي كلمته أمام تلك النخبة، لم يتردد ترامب في كيل المديح «المسموم» للملك سلمان أولًا، واصفًا إياه بـ«الضعف الجسدي»، وهو تعبير غير لائق ويعد سرًا من أسرار الحكم، خاصة في المنطقة العربية.
ثم انتقل للحديث عن ولي العهد بلهجة تجمع بين الإطراء السطحي والإهانة، إذ قال عنه: «إنه رجل عظيم.
لم يخطر بباله (أي ولي العهد) أبدًا أنه سيقبّل مؤخرتي.
حقيقةً لم يخطر بباله ذلك.
لدينا علاقة جيدة جدًا مع السعودية، وخاصة مع ولي العهد الذي سيكون ملكًا.
إنه شاب رائع، لكنه لم يتخيل أنه سيقبل مؤخرتي.
ظن أنه سيتعامل مع مجرد رئيس أمريكي آخر من الفاشلين.
لكنه الآن مضطر لأن يكون لطيفًا معي، بل من الأفضل له أن يكون لطيفًا معي».
وما تلفظ به ترامب هو تعبير شوارعي، أو لنقل قول أمريكي عامي شائع يستخدمه الأولاد سيئو التربية، لا يليق للعاقلين استخدامه.
أما أن يستخدمه رئيس أقوى دولة في العالم ليوجهه إلى أحد حلفائه، فنحن لسنا أمام مجرد بذاءة عابرة أو زلة لسان لتاجر غاضب، بل نحن أمام «إعادة هندسة» للعلاقة بين الحليف والقوة العظمى.
في قاموس ترامب، لا يوجد شركاء، بل أتباع أو زبائن.
والأسوأ من ذلك مكان خطاب ترامب وأمام ذلك الحشد؛ فكان الأحرى به أن يقول كلامًا طيبًا ويتودد للمستثمرين ويشجعهم على الاستثمار في أمريكا، لا أن يهين ولي العهد وولي نعمة الكثيرين منهم.
إن نقل هكذا تعبير من أزقة نيويورك إلى المحافل الدولية وعلى مسمع من العالم كله، يحوّل التعبير أو القول المأثور إلى أداة «إخصاء» سياسي ومعنوي.
ترامب لا يريد من الحليف أن يوافق على صفقة، بل يريده أن يكون خاضعًا وتابعًا بالكامل.
وهذه قمة استخدام دبلوماسية الجسد، التي تستبدل لغة المصالح في العلاقات الدولية بلغة «الإذلال»، حيث تصبح «المؤخرة» هي المركز الذي يجب أن يدور حوله الجميع طلبًا للرضا أو اتقاءً للغضب.
والمثير للسخرية السوداء هنا، أن ترامب يدرك تمامًا تأثير هذه الكلمات على جمهوره الداخلي؛ فهو يبيعهم صورة «الأمريكي الفحل» الذي لا يكتفي بأخذ المال من حلفائه، بل ينتزع كرامتهم أيضًا كـ«بقشيش» على الصفقة، ولكنه لا يدرك معنى هذا القول في الثقافة العربية وعلى مستوى العامة.
لقد تحولت «الدولة العظمى» في عهده إلى «بلطجي» دولي يتباهى بقلة أدبه ويتبجح بقوته، معتبرًا أن «رقة اللفظ» وحسن القول واختيار التعابير الدبلوماسية من سمات الضعفاء والخاسرين ولا تليق به.
واللافت أكثر، أن ترامب حتى على المنصات الدولية الرصينة مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، نجد أن «عقله العقاري» يختطف المشهد غالبًا.
ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، كرّس قرابة ثماني دقائق ليقول فيها نحو 160 كلمة، مر أغلب الوقت نتيجة ضحك ورد فعل الحضور الساخر، عن مشاريعه وكيف أن الأمم المتحدة رفضت عرض شركته العقارية لصيانة مقرها قبل عقدين واختارت بديلًا اعتبره أسوأ.
هنا رئيس أقوى دولة، ومن على منصة العالم، لا يتحدث عن استراتيجيات السلم العالمي، بل يضيع وقت العالم في الحديث عن «أبراج ترامب» و«جمال الإسمنت» وعن عبقريته في البيع والشراء، وعقد الصفقات، وكأن العالم ليس إلا قطعة أرض «مشاعة» ينتظر «المقاول الأكبر» تقسيمها وبيعها بالمتر، مشبعًا خطاباته بتفاهات نرجسية تجعل السامع يتساءل: هل هذا خطاب رئيس دولة، أم إعلان تجاري في قناة تسوق رخيصة؟«طالعت بعض العرب على وسائل التواصل يفسرون تعبير (Kiss my ass) على أنه مديح وإطراء، وهذا والله أبعد ما يكون عن الحقيقة وعن كيفية استخدام هذا التعبير، وخاصة في السياسة.
ولولا ضيق المساحة لفصلت أكثر».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك