يأخذ المراقبون تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير لإيران على محمل الجدّ أكثر من أي وقت مضى، رغم نبرة المبالغة في وعيده.
فترامب يواجه وضعاً صعباً ومحرجاً، داخلياً وخارجياً، ما دفعه إلى تصعيد لهجته لعلّه يحقق الاختراق الذي يحتاجه.
ومن مؤشرات الجدّية أنه لم يتراجع حتى الآن أو يمدد مهلة الإنذار، كما فعل في مرات سابقة.
كما برزت تطورات ميدانية لافتة، تمثلت في شروع إسرائيل منذ وقت مبكر باستهداف البنى التحتية الإيرانية، بما أوحى بوجود تنسيق مع واشنطن، وكأنها تمهّد لعمليات أميركية متوقعة خلال ساعات.
وتوالت الإشارات مع الإعلان عن انفجارات في جزيرة خارج، ما عزّز الانطباع بأن التصعيد دخل مرحلة متقدمة.
وفي واشنطن، صدرت مؤشرات غير اعتيادية؛ إذ أعلن البنتاغون فجأة إلغاء الإحاطة الصحافية اليومية التي كانت مقررة صباحًا، كما صرف البيت الأبيض النظر عن إحاطته الإعلامية الموعودة ظهرًا.
وبدلًا من ذلك، اكتفت الإدارة بتغريدتين للرئيس ترامب على منصة" تروث سوشال"، جدّد فيهما تهديده بتدمير" حضارة" إيران بالكامل خلال يوم واحد.
تعزّزت هذه المؤشرات لاحقاً بتحرك داخل الكونغرس، حيث بادر ديمقراطيون، بمشاركة بعض الجمهوريين في مجلس النواب، إلى طرح مشروع يهدف إلى تضييق هامش التحرك العسكري للبيت الأبيض.
ورغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، لا سيما مع وجود الكونغرس في عطلة الربيع حتى الثالث عشر من الشهر الجاري، فإنها تعكس قلقًا متزايدًا من الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
كما عكست الأسواق المالية والنفطية هذا التوتر، إذ تُعد عادة بمثابة" بارومتر" في أزمنة الحروب.
فبعد مكاسب صباحية، انقلب المسار في أسواق المال التي فقدت أرباحها لتدخل في موجة هبوط سريعة، بخسائر قاربت 300 نقطة، فيما حافظت أسعار النفط على ارتفاعها معظم النهار، خاصة بعد تداول أنباء عن قصف مواقع عسكرية في جزيرة خارج.
في المقابل، صدرت إشارات توحي بإمكانية التهدئة، وإن بشكل ضبابي.
فقد صرّح نائب الرئيس جي دي فانس، خلال مؤتمر صحافي في بودابست، بأن الولايات المتحدة" أنجزت أخيراً هدفها عبر استهداف المواقع العسكرية الإيرانية"، متجنباً الإشارة إلى الأهداف المدنية التي لوّح بها ترامب.
كما عبّر عن" أمله في التوصل إلى حل"، ما يعني أن مساعي التهدئة لا تزال قائمة، أو على الأقل لم تُستبعد.
وتندرج هذه التصريحات ضمن سياق تحركات دبلوماسية، أبرزها مبادرة تقودها باكستان بالتنسيق مع تركيا لفرض وقف لإطلاق نار لمدة 45 يوماً.
ورغم ما تردد عن رفض طهران هذه المبادرة، فإن الجهود لا تزال مستمرة.
وفي هذا الإطار، برزت إشارة إيجابية، ولو رمزية، من الجانب الإيراني بشكل غير مباشر، تمثلت في إعلان أحد الفصائل العراقية المقربة من طهران الإفراج عن صحافية أميركية كانت قد اختُطفت قبل أيام في بغداد.
ومع بقاء نحو أربع ساعات على انتهاء مهلة الإنذار، تلتزم الإدارة الأميركية الصمت، فيما تعيش واشنطن حالة ترقّب.
ورغم أن العملية العسكرية تبدو أقرب إلى التحقق، فإن بعض التقديرات لا تستبعد تراجع ترامب في اللحظة الأخيرة، كما رجّح الجنرال المتقاعد راندي مانر.
وفي حال تنفيذ الضربة، يُتوقع أن تبقى محدودة، مستهدفة منشآت الطاقة وشبكات الجسور المرتبطة بالبنية العسكرية، تجنباً لتوسيع نطاق المواجهة.
إذ تحذر جهات عدة من استهداف مواقع مدنية حيوية، لما قد يشكله ذلك من انتهاك للقانون الدولي، ووقوعه ضمن خانة" جرائم الحرب".
كما تتصاعد داخل الولايات المتحدة أصوات معارضة، منها وجوه محافظة ومتشددة في الإعلام، مثل تاكر كارلسون، كما في الكونغرس، مثل السيناتور رون جونسون.
ويحذر بعض العسكريين، ومنهم الجنرال المتقاعد مارك هيرتلنغ، من أن القانون" يمنع" القوات المسلحة من تنفيذ أوامر من هذا النوع، وأنها لا بد أن" تتأكد" من قانونية العمليات.
الساعات القليلة المقبلة ستكشف الخبر اليقين، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة مفتوحة أم على مخرج سياسي في اللحظة الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك