اختارت جائزة الأركانة العالمية للشعر في الرباط، أول أمس، أربعة شعراء فلسطينيين في دورتها الثامنة عشرة، محتفيةً، عبر هذا الاختيار بـ" الشعرية الفلسطينية"، انطلاقاً من اعتبارين: الكتابة من داخل تجربة الألم أولاً، و" لتفاعُلها مع تجارب ومرجعيّات شعريّة عالميّة"، حسب بيان الجائزة.
والشعراء الفائزون هم: غسان زقطان، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزهير أبو شايب.
يمثّل الشعراء جيلاً متقارباً، إلا أن لكلّ من هذه الأصوات خصوصية تميّز مشروعه الشعري.
وفي تجاربهم تظهر تحوّلات القصيدة الفلسطينية التي تلت تجارب محمود درويش، وتوفيق زيّاد، وسميح القاسم.
إذ أسهموا في تحرير القصيدة من وطأة الجماليات المهيمنة، وكتبوا قصائد أكثر هدوءاً وخفوتاً وحساسية لروح العصر، قصيدة يحتل فيها عالم الشاعر وتجربته وانشغاله بلغته ونبرته الخاصة مكانة أساسية.
وإلى جانب الشعراء الأربعة، يضم هذا الجيل أسماء مثل: عبد الله عيسى، وزكريا محمد، ووليد الخزندار، ويوسف أبو لوز، وخالد درويش، وراسم المدهون، وغيرهم.
وتُعدّ تجربة غسان زقطان من التجارب المبكرة التي خفت فيها حضور السياسة.
مع ذلك، فهو يستخدم الذاكرة الشخصية ضمن تقليد الكتابة الشعرية الفلسطينية، حيث تصبح الذاكرة مقاومة للمحو.
وعلى مستوى النبرة، تتميّز قصيدته بالغنائية الخفيضة واقتصاد المشاعر، وهي قصيدة بعيدة عن التهويل، إذ يشكّل الاقتصاد الجمالي جزءاً من تكوينها.
وإلى جانب الشعر، له في الرواية" وصف الماضي" و" عربة قديمة بستائر"، وفي المسرح" البحر الضيق".
وقد يشملُ ما ذكره في حوار صحافي أبناءَ جيله، إذ يذكر: " آبائي هم أبناء جيلي".
من غير أن يتبنّى قطيعة مع التراث، على العكس، يعتبر في حواره أنَّ المنجز الحداثي امتداد لخبرة اللغة العربية مع الشعر.
وهو من أكثر الشعراء الفلسطينيين حضوراً في لغات أخرى، ومن الجوائز التي حصل عليها جائزة غريفين العالمية عام 2013.
بالنسبة إلى يوسف عبد العزيز، فقد بدأ كتابة الشعر عام 1970، ونشر أولى قصائده في العام التالي، قبل أن يحضر بانتظام في الصحافة الثقافية العربية ابتداءً من عام 1976.
وترتبط فلسطين في قصيدته بالحلم والمشهد والأسطورة، ضمن احتفاء بشعرية المشهد، أو ما يمكن تسميته مشهدية الواقع الفلسطيني، وذلك من خلال كتابة الهواجس والخراب المتخيّل، من دون التورّط في الإنشاء السياسي.
فيما تركّز قصيدة طاهر رياض على البناء الصوتي والوزن، وهي قصيدة غنائية تنتمي إلى شعر التفعيلة، حيث يكتب التفعيلة متشابكة مع الصورة والاختزال والتأمل.
أما زهير أبو شايب، فيؤسّس قصيدته على جدل بين ثنائيات، مثل العتمة والضوء، والحضور والغياب، والوجود والعدم.
وتنبت قصيدته من الذات مباشرة، لكنها تتحرّك في فضاء إنساني مفتوح.
وقد انشغلت بموضوعات الطبيعة والعزلة.
قصائد يحتل فيها عالم الشاعر وتجربته الإنسانية مكانة أساسيةويفتح اختيار الشعراء الأربعة باباً على جيل شعري فلسطيني أوسع، تشكّلت ملامحه منذ الثمانينيات وما بعدها، واشتغل على تخفيف البلاغة المباشرة، وإعادة بناء العلاقة بين القصيدة والذاكرة والمكان واليومي والجرح الفلسطيني.
فهؤلاء لا يمثّلون اتجاهاً واحداً، ولا يكتبون بالنبرة نفسها، لكنهم بصورة ما، يمثّلون إحدى مراحل" الشعرية الفلسطينية"، وقدرتها على إنتاج أصوات متجاورة ومتمايزة معاً، وأبرز ملامح هذه الشعرية: خفوت البعد الخطابي، والانحياز إلى الشعر بوصفه تجربة لغوية وجمالية، بأشكال وأساليب متعددة.
كذلك، هم حلقة بين جيل" الروّاد" وجيلٍ لاحق حمل القصيدة الفلسطينية إلى فضاءات شعرية وإنسانية أوسع، مع بقاء فلسطين بعداً وانتماءً.
ولا يتوقف هذا الجيل عند الأسماء المتوجة، بل يمتد من خلال أسماء كثيرة، بعضها غيّبه الموت والآخر ما زال حياً على قيد الشعر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك