لقد تبنت الصين مقاربة استباقية لإدارة مستقبل أمنها الطاقوي، هدفت من خلالها إلى تعزيز اكتفائها الذاتي وتنويع مصادرها، تحسبًا لوقوع مثل هذه الاضطرابات، ليس فقط بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، وإنما أيضًا بسبب الحروب التجارية التي خاضتها قبل اندلاع الحرب الأخيرة، وهو ما يمكن معه القول إن استراتيجية الصين في التعامل مع الأزمة الأخيرة وتداعياتها على سوق الطاقة لم تكن رد فعل، بقدر ما كانت تعبيرًا عن هذه الرؤية القائمة على تنويع مصادر الطاقة، وبناء احتياطياتٍ استراتيجية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد عالميًا.
إذا ما نظرنا على سبيل المثال إلى سياسة الصين في مجال التوسع الآمن والمنظم لاستخدام الطاقة النووية، فقد كشف تقرير صادر عن الجمعية الصينية للطاقة النووية بعنوان" تقرير تطوير الطاقة النووية في الصين - 2025"، عن أن الصين تحتل المركز الأول عالميًا من حيث عدد المفاعلات النووية وحجم الطاقة التي تولدها، حيث يبلغ إجمالي الوحدات النووية في الصين، سواء تلك العاملة أو قيد الإنشاء أو المعتمدة للبناء، 102 وحدة" مفاعلًا نوويًا"، بإجمالي طاقة إنتاجية مثبتة تبلغ 113 مليون كيلوواط، وأن إجمالي إنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية العاملة في الصين بلغ في عام 2024 نحو 444.
7 مليار كيلوواط/ساعة، وحسب هذا المؤشر تحتل الصين المرتبة الثانية عالميًا في حصة الطاقة الكهذرية بمنظومتها.
وإذا ما نظرنا إلى مجال الطاقة المتجددة، فلا يمكن أن نغفل الرؤية التي كان قد طرحها الرئيس شي جين بينج في مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي عام 2021، بإطلاق بلاده مشروعًا ضخمًا لتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الصحراء الصينية بقدرة 100 جيجاواط، لتصل قدرتها اليوم، طبقًا للبيانات التي أصدرتها الهيئة الوطنية للطاقة الصينية، إلى أن مصادر الطاقة المتجددة مثلت أكثر من 60% من إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء خلال عام 2025، فقد أضافت الصين أكثر من 430 جيجاواط من قدرة الطاقة الجديدة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال 2025، ما رفع إجمالي قدرتها المركبة لقدرة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 1800 جيجاواط، ليؤكد ما سبق أن استراتيجية الصين في التعامل مع الأزمات لم تكن رد فعل، بل نتاجًا لاستراتيجية عميقة الرؤية، تمكنها من امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرصٍ تعزز من مكانتها في المنظومة الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك