أطلقت جماعات سياسية وحقوقية في الساحل الأفريقي مبادرة من أجل مواجهة الأنظمة العسكرية في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي أنظمة أقرت إجراءات تقوض بصورة كبيرة التعددية الحزبية والتداول السلمي على السلطة.
ومن العاصمة البلجيكية، بروكسل، أعلنت شخصيات سياسية ونشطاء في المجتمع المدني من دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن إنشاء" تحالف ديمقراطيي الساحل" الذي يتألف من 30 عضواً، وذلك في أحدث مؤشر إلى تنامي معارضة الأنظمة الحاكمة في المنطقة.
وجاء هذا الإعلان بعد أيام قليلة من توعد رئيس بوركينا فاسو الانتقالي، إبراهيم تراوري، بالقضاء على الديمقراطية في الساحل الأفريقي، حين قال في تصريحات تلفزيونية موجهاً كلامه إلى السكان: " انسوا الديمقراطية"، مما أثار جدلاً واسع النطاق.
وبحسب إعلان هذا التحالف، فإنه يهدف إلى وضع حد لـ" عسكرة الدول" والعمل على تقديم حلول شاملة تخرج المنطقة من الأزمة التي انزلقت إليها منذ أعوام.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، وليد عتلم، أن" ظهور ’تحالف ديمقراطيي الساحل‘ يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع داخل منطقة الساحل، من صراع تقليدي بين دول وجماعات مسلحة، إلى صراع مزدوج بين نموذجين للحكم: نموذج عسكري سيادي تقوده أنظمة تحالف دول الساحل، ونموذج مدني عابر للحدود يسعى إلى إعادة الشرعية الدستورية، لكن هذا التحول، على رغم أهميته الرمزية والسياسية، لا يعني بالضرورة توازناً حقيقياً في القوة".
وتابع عتلم في حديث خاص أن" التحالف المدني الجديد ينطلق من خارج المجال الجغرافي للدول الثلاث، وهذه نقطة ضعف بنيوية قبل أن تكون مجرد تفصيل تنظيمي.
العمل من الخارج يحرره من القمع المباشر، لكنه في المقابل يفقده القدرة على التأثير العضوي داخل المجتمعات المحلية، حيث تتحكم الأنظمة العسكرية في المجال العام والإعلام وأدوات التعبئة، فالتجربة التاريخية في أفريقيا تُظهر أن الحركات المعارضة في المنفى نادراً ما تُسقط أنظمة قائمة ما لم ترتبط بحراك داخلي واسع أو انقسام داخل المؤسسة العسكرية".
ولفت إلى أنه" في المقابل، تمتلك الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر عناصر قوة لا يستهان بها.
هذه الأنظمة لا تعتمد فقط على السيطرة الأمنية، بل تستند إلى خطاب سيادي يجد صدى شعبياً، بخاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي.
جزء كبير من الرأي العام يرى في هذه الأنظمة، على رغم إخفاقاتها، تعبيراً عن الاستقلال الوطني في مواجهة تدخلات خارجية.
هذا يمنحها شرعية نسبية حتى وإن كانت غير دستورية".
وشدد عتلم على أن" الأخطر أن التحالف لم يعد مجرد تنسيق أمني، بل يتجه إلى بناء بنية إقليمية موازية، أمنية وسياسية، مما يعني أن أية محاولة لمواجهته تحتاج إلى مستوى مماثل من التنظيم والموارد، وهو ما لا يتوفر حالياً لتحالف ADS.
الفارق هنا ليس فقط في القوة الصلبة، بل في القدرة على فرض وقائع على الأرض، وهو ما يظل حكراً على الأنظمة العسكرية".
ومنذ أعوام، أطاح زعماء عسكريون بحكومات مدنية في الساحل الأفريقي ووعدوا باستعادة الأمن والاستقرار في ظل انتشار مكثف لجماعات مسلحة، لكن لم يجرِ تحقيق اختراق كبير يُذكر بعد.
واعتبر الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن" الحراك الذي تقوم به الجماعات السياسية والحقوقية في الساحل الأفريقي ضد الأنظمة العسكرية في كونفدرالية الساحل متوقعة، بما أن هذه الجماعات بدأت بعدد من الشخصيات في مالي التي التفت حول الإمام ديكو، الذي كانت لديه أدوار مهمة في حركة يونيو (حزيران) التي كان لها دور محوري في قضية إطاحة نظام أبوبكر كايتا".
وبين تورشين في تصريح خاص قائلاً" لذا هذا التحالف متوقع، لكن التحدي الأكبر على قدرته على تقديم تطمينات لكل الحركات المعارضة، وقدرته على حشد تأييد الحركات الجماعية بما أن الحركات الجماهيرية لديها القدرة على التحرك والحشد الشعبي الذي يسهم في إعادة النظر في هذه القضايا".
وذكر المتحدث ذاته أن" في اعتقادي ما يحدث يحتاج إلى دعم للحركات والجماعات الناشطة في الداخل ودعم الشارع، ومن ثم نجاح هذه الخطوة مرهون بالوقت والدعم الذي ستتلقاه، والأهم من ذلك القدرة على الحصول على اعتراف دولي".
وجاءت هذه المبادرة بعد أشهر قليلة على إطلاق الإمام المالي، محمد ديكو، المثير للجدل، تكتل" تحالف قوى الجمهورية" الذي يسعى إلى إطاحة العقيد آسيمي غويتا وإنشاء حكومة جديدة.
ومن شأن ذلك أن يكرس انقساماً صلب المعارضة، إلا أن المتحدث باسم مبادرة" ديمقراطيي الساحل"، مالك كوناتي، قال إن المبادرتين تعملان بصورة متكاملة.
ويعتقد وليد عتلم أن" هذا التحالف يعاني تحدياً مزدوجاً: أولاً، غياب قيادة كاريزمية موحدة قادرة على توحيد الخطاب وتعبئة الجماهير، وثانياً، التباين في السياقات الداخلية للدول الثلاث.
ما يصلح في مالي، حيث توجد خبرة أطول في الحراك السياسي، قد لا يكون فعالاً بالدرجة ذاتها في النيجر أو بوركينا فاسو، حيث تختلف طبيعة التوازنات القبلية والأمنية".
وبين أنه" على رغم ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية التحالف.
قوته الحقيقية ليست في قدرته على إسقاط الأنظمة في المدى القصير، بل في قدرته على خلق سردية مضادة لعسكرة الحكم، وتدويل قضية الانتقال الديمقراطي في الساحل، فإذا نجح في بناء شبكة ضغط دولية وربط نفسه بمؤسسات إقليمية ودولية، قد يتحول إلى أداة ضغط غير مباشرة، بخاصة في لحظات الأزمات الاقتصادية أو الفشل الأمني للأنظمة العسكرية".
ويرى عتلم أن" العامل الحاسم سيكون الأداء الأمني للأنظمة الحالية.
إذا استمرت في الفشل في احتواء الجماعات المسلحة، أو تدهورت الأوضاع الاقتصادية بصورة حادة، فإن شرعيتها السيادية ستتآكل، وهنا يمكن لتحالف مثل ’ديمقراطيي الساحل‘ أن يجد نافذة للتأثير، خصوصاً إذا تمكن من بناء امتدادات داخلية تدريجية".
واستدرك بالقول" لكن في السيناريو الأقرب، التحالف سيظل في المدى المنظور إطاراً سياسياً-رمزياً أكثر منه فاعلاً ميدانياً.
قدرته على الصمود مرتبطة بمدى تماسكه الداخلي واستمرارية الدعم الخارجي، أما قدرته على إحداث تغيير جذري فهي مرهونة بتغيرات داخلية في بنية السلطة داخل دول الساحل، وليس بجهوده الذاتية فقط".
واستنتج أن" هذا التحالف المدني الديمقراطي لن يسقط المجالس العسكرية في وضعها الحالي، لكنه قد يتحول إلى عنصر إزعاج استراتيجي طويل الأمد، ينتظر لحظة ضعف حقيقية داخل هذه الأنظمة ليحاول استثمارها.
من دون ذلك، سيظل خارج معادلة السلطة الفعلية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك