حين هببنا على السينما العالمية في بغداد، كنا شباباً في مطالع العشرينيات، فـ»سينما النصر» في نهاية «شارع السعدون» كانت تغذّي رؤيتنا بالأفلام العربية، وسينما «السندباد» بالأفلام التركية والإيرانية، والسينمتان «ريكس» و»روكسي» بالأفلام الهندية وأفلام رعاة البقر الأمريكية، وسينما «بابل» و»سمير اميس» و»غرناطة» للأفلام الفرنسية والإيطالية.
في تلك الأفلام الغنية والثرية بالرموز والمعاني، لطالما ظهرت في التحف السينمائية الممثلة العالمية من أصول إيطالية صوفيا لورين، تلك الفتاة الشهية والجذابة التي منحها الجمال تاجاً والإغراء مكانة فريدة.
صوفيا لورين، الممثلة المكافحة التي صعدتْ سلّم الشهرة بأناة ودقة ومعرفة، مع هدف يدفعها دائماً لتكون في الأمام وفي المقدمة وفي الواجهة، صدرت عن دار «المدى» مذكراتها بعنوان «حياتي ـ أمس واليوم وغداً» بترجمة صافية وثرية ودقيقة للمترجم العراقي علي عبد الأمير صالح.
بدأت صوفيا لورين مشوارها الفني بفيلم «الأثيرة» ثم «العهد» مع النجمة الإيطالية الشهيرة ديورانتي التي اقترحت على صوفيا أن تذهب إلى «سكاليرا»، وهو من أشهر الأستوديوهات الإيطالية، حيث كان يصوّر آنذاك فيلم «عايدة» للموسيقار فيردي، قائلة لها أظنهم يبحثون عن ممثلة شبيهة بما تملكين من مميزات ومواصفات.
حين ذهبتْ صوفيا إلى هناك رآها المخرج مصادفة تتمشى في الممر، فوقع نظره الكشاف للمواهب عليها، عندها اقترح عليها أن تنضم لكادر الفيلم بدلاً من إحدى الممثلات داكنة البشرة القادمة من أمريكا، والتي تعتزم القيام به، لكنّ المخرج لم يكن مقتنعاً بها، فأسند دور عايدة إلى صوفيا، فكان ذلك النقلة المميزة، التي غيّرت حياتها كلياً من ممثلة ناشئة إلى ممثلة تنطلق كالصاروخ باتجاه النجومية العالمية.
بعد فيلم «عايدة» الذي صوّرته في أجواء باردة جداً، حيث كانت تنعدم وسائل التدفئة آنذاك في الاستديو، ما انعكس سلباً على صحتها، لكنها رغم ذلك كانت متيّقنة من نجاحها، هذا النجاح المدفوع بالموهبة الكبيرة، موهبة امتثلت إلى الصقل والتدريب والصبر الذي أهّلها لتحصل بعد فيلم «عايدة» على فرصتها الكبيرة، التي تعدّها صوفيا المنطلق الحقيقي لتجربتها السينمائية، ألا وهو فيلم «فتاة البيتزا»، لمخرج أفلام الواقعية الجديدة فيتوري دي سيكا، الذي أحدث ثورة فنية في عالم السينما، هذا العالم الذي تصفه لورين بأنه: «كان كوناً من الخيال، وكنت أنطلق في أرجائه بأقصى سرعة وأحلم، ومع ذلك لم أكن حالمة فحسب، كانت قدماي راسختين بثبات على الأرض، كنت متأهّبة لأثب الوثبة الكبرى إلى الأمام.
كنت إنسانة عملية وكنت دائماً ألتزم بمواعيدي.
كنت أريد حقيقة أن أعمل».
بعد نيل صوفيا لورين أتعابها عن فيلم «عايدة» والبالغ مليون ليرة إيطالية، ما يعادل ألف وخمسمئة دولار أمريكي في مطلع خمسينيات القرن الفائت، كان يتعيّن عليها أن تلتفت إلى عائلتها المتكوّنة من أم وشقيقة، وبهذا المبلغ «كنّا قادرات على الانتقال إلى شقة أكبر في شارع بالزاني وتمكنتُ أخيراً من أن أقوّم شرف شقيقتي، كان أبي الذي يشغل حيّزاً صغيراً في حياتنا أكثر من أيّ وقت مضى، كان قد هجرنا كثيراً إلى حدّ ما، لم أعد أحاول أن أحبّه، لذا حين سمع أنني كسبت بعض المال، اتصل بنا هاتفياً كي يسأل عنه، لم أجد صعوبة في أن أعطيه كل المال الذي حصلت عليه من فيلم «عايدة» مقابل أن يعطي اسمه لشقيقتي، ذلك الاسم الذي كان بالنسبة إليّ قوقعة فارغة ليس إلا، كان خلاصاً بالنسبة لشقيقتي ماريا فيلاني أصبحت ماريا سيكولوني وكان بمستطاعها أخيراً أن تذهب إلى المدرسة وأن تبدأ بالعيش من دون عار».
الممثلة الشهيرة صوفيا لورين تتحدّر من عائلة بسيطة ومتواضعة، وشبه فقيرة من مدينة نابولي، تلك المدينة الشبيهة بمدن الشرق الأوسط، بشرفاتها ومطاعمها ومقاهيها وعاداتها أيضاً، بحر ينغمس في موجاته الجميع الأغنياء والأثرياء، ولكل حياته وتاريخه وماضيه، فماضي صوفيا بدأ من وهج جمالها الكامن في قوامها ووجهها المتميز بابتسامة عريضة ومنفرجة، حلم بها الآلاف، بل الملايين من الشباب، بما تنطوي عليه من فتنة ودلع وطلة مدهشة لا تضاهى، ومن هنا سر انطلاقتها باتجاه السينما، بدءاً من سن الرابعة عشرة فما فوق.
راحت ترى في نفسها ملكة لشيء ما، لبراعتها في عروض الأزياء، لخفة دمها، لمهارتها في التقليد ومن ثم التمثيل، وربما لبساطتها وطيبتها وحسن معشرها، وربما أيضاً وهذا هو الأكثر ترجيحاً لقوة جمالها، مما حدا بها للتقديم إلى مسابقة لملكة جمال، ولم تنتظر طويلاً حتى فازت بها من دون منافسة.
بالإضافة إلى حصدها جوائز الجمال، فقد حصدت جوائز لا تحصى على أدوارها المثيرة والمدهشة واللافتة، تلك التي تُوّجت في النهاية بـ»الأوسكار»، الجائزة التي يحلم بها كل فنان عالمي، نال قسطاً واسعاً من الشهرة، فجائزة « الأوسكار» تكون مسك الختام للفنان الفريد والمتميز بين أجيال من الفنانين في العالم، وحين أخبِرت صوفيا بإنها مرشحة للأوسكار ضمن بعض الأسماء المشهورة للممثلات المختارات معها، لم تذهب صوفيا للحفل، خشية أن يُغمى عليها أمام الجمع المحتفل، لو نالت الجائزة، ففضّلت أن تكون في البيت جالسة على أريكتها، لتتلقى الخبر الذي لم تفكر يوماً أنه سيكون لصالحها ولهذا: «قررتُ ألا أذهب إلى الاحتفال، إذا ما خسرت الجائزة، سوف يغمى عليَّ.
إذا فزت بها، سوف يغمى عليَّ بأي حال، لم يكن بوسعي أن أسمح لنفسي، بأن أفعل هذا أمام الجمهور، وأمام أنظار العالم بأسره، سأبقى هنا تحديداً على أريكتي، وهذا في الواقع ما فعلْته».
كان في ذلك اليوم مع صوفيا عشيقها السابق وزوجها اللاحق كارلو بونتي، المنتج والمخرج الإيطالي الذي رافقها في أغلب تجاربها السينمائية، وهنا تصف صوفيا لورين تلك اللحظات الطويلة والمتوترة قبل نيلها «الأوسكار» بساعات قليلة: «في التاسع من نيسان/أبريل عام ألف وتسعمئة وتسعين كنا في شقتنا، سوف نظل يقظين طوال الليل.
كان أمامنا امتداد زمني من ساعات طويلة جداً من الجلوس والانتظار، التلفزيون العالمي لم يكن موجوداً بعد، كنت أتحرّق شوقاً إلى أن أقضي تلك الساعات في الدردشة، إذ لم يكن بمقدورنا أن نرتاح ولا أن نقرأ، زيادة على ذلك ظل التلفون يرن، مع أصوات تُغرقنا بالتمنيّات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك