في عالم العقار، لا يحدث التعثر فجأة كما يبدو لنا في لحظة التوقف.
ما نراه من أبراج صامتة أو مشاريع متوقفة ليس إلا الفصل الأخير من القصة التي بدأت قبل ذلك بكثير.
ونظرًا لكبر حجم هذا الموضوع وتشعبه، ارتأيت أن أقسمه إلى جزأين؛ نغوص هنا في الأسباب العميقة، على أن نكمل عرض نماذج وتحليلها في الأسبوع القادم.
في تقديري، تبدأ الحكاية في مرحلة التخطيط، حيث تختلط الطموحات بالحسابات، ويَقَعُ الخطأ الأول عند التفاؤل المفرط؛ حسابات غير دقيقة للتكلفة وخالية من ميزانيات احتياطية لخطة الطوارئ، وتقديرات عالية للطلب، وتسعير لا يعكس القدرة الشرائية الحقيقية، واعتماد شبه كامل على مبيعات “الخريطة” كرافد أساس للسيولة.
في تلك اللحظة، يبدو كل شيء ممكنًا… إلى أن تبدأ الأرقام في اختبار الواقع.
مع أول ضغط حقيقي على التدفقات النقدية، تبدأ الفجوة بالظهور.
السيولة التي كانت تبدو كافية على الورق، تتحول إلى عبء، والالتزامات تتراكم بهدوء.
هنا، لا يكون التعثر نتيجة مفاجأة، بل نتيجة مسار طويل من القرارات المتراكمة.
ولا تقف الأسباب عند الجانب المالي فقط.
فالتعثر كثيرًا ما يُصنع بقرارات إدارية يومية: اختيار مقاول غير مؤهل، ضعف الإشراف، أو التراخي في الالتزام بالجداول الزمنية.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو هامشية في البداية، تتحول مع الوقت إلى نقاط ضعف قاتلة.
ثم تأتي الظروف الخارجة عن السيطرة.
مثلًا، الجائحة حين تعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف المواد، وتغيرت معادلات السوق.
أضف إلى ذلك التغيرات الاقتصادية مثل ارتفاع معدلات الفائدة وتضخم الأسواق، أو حتى بعض قرارات الجهات الأخرى، مثل ارتفاع رسوم خدمات الكهرباء أو زيادة أسعار الوقود، وأعباء مالية لم تكن موجودة عند التخطيط، مثل ضريبة القيمة المضافة ورسوم البنية التحتية أو استحداث رسوم جديدة مثل الصرف الصحي.
كل هذه الأسباب رغم كون بعضها جانبيًا، إلا أنها تُربك الأسواق، فتتأثر سلبًا المشاريع بشكل غير مباشر، وتتركها تحت رحمة كيفية التصرف، ومدى مرونة الإدارة للتأقلم وتصحيح المسار قبل أن تكون ضحية للتعثر.
في البحرين، لم تكن هذه التحديات بعيدة.
بل شهد السوق حالات متعددة كشفت أن التعثر ليس استثناءً، بل احتمال قائم في بيئة تتغير بسرعة.
ومع ذلك، من المهم أن نُحسن الظن فكثير من المطورين لم يخفقوا بسبب الإهمال، بل لأن الظروف تجاوزت قدرتهم على التكيف.
ومن الناحية النظامية، لا يُعتبر المشروع متعثرًا إلا بعد وصوله إلى مرحلة لا يمكن معها الاستمرار: توقف فعلي، أو عجز عن الوفاء بالالتزامات، أو تصاعد شكاوى المشترين.
عندها تبدأ مرحلة جديدة للمعالجة.
لكن ما يشغلني هنا ليس لحظة التعثر بحد ذاتها، بل ما قبلها… تلك الإشارات المبكرة التي غالبًا ما نتجاهلها! فهل كان بالإمكان تفادي كل ذلك؟ أم أن التعثر جزء طبيعي من دورة السوق؟هذا ما سنحاول الإجابة عليه في مقالنا القادم، حين نقترب أكثر من كيفية إدارة الأزمة ودخول لجنة المشاريع لمعالجة الأمر، مع تسليط الضوء على كيف يمكن أن تولد المشاريع من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك