باريس – «القدس العربي»: وسط انقسام سياسي حاد وردود فعل شعبية واسعة، أعلن فريق «معاً من أجل الجمهورية»، أي المعسكر الرئاسي، الخميس 16 نيسان / أبريل، سحب مشروع «قانون يادن» المثير للجدل، نسبة إلى اسم صاحبته النائبة البرلمانية كارولين يادن، والذي يهدف إلى مكافحة ما تصفه الأخيرة بـ «الأشكال الجديدة من معاداة السامية».
وكان من المقرر أن يبدأ النقاش حول النص في الجلسة العامة للجمعية الوطنية الخميس.
لكن المجموعة البرلمانية، التي يقودها غابرييل أتال، اتهمت حزب «فرنسا الأبية» اليساري بمحاولة عرقلة المسار التشريعي، ووصفت ذلك أنه «أسلوب تعطيل متعمد» لإفشال مناقشة النص.
وجاء في بيان الكتلة النيابية الموالية للرئيس ماكرون: «منذ بداية الأسبوع، تقوم «فرنسا الأبية» بممارسة عرقلة واضحة بهدف منع مناقشة النص.
ومن الواضح الآن أن هذا النص لن يتمكن من أن يناقش هذا الأسبوع.
وفي هذه الظروف، حصلنا على موافقة الحكومة لتجاوز عرقلة نواب «فرنسا الأبية».
وأشار البيان إلى أن السلطة التنفيذية «التزمت بتقديم مشروع قانون حكومي يتضمن كامل محتوى قانون يادن»، وأن النص «سيعرض خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران / يونيو 2026، وستنطلق دراسته في مجلس الشيوخ»ومن جهته، كان محيط رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أكثر تحفظاً بشأن الجدول الزمني، حيث صرح أن «الحكومة ستطلق عملاً تشاركياً بين مختلف الأطراف حول مكافحة معاداة السامية، والذي سيتجسد في مشروع قانون حكومي يعرض على مجلس الوزراء قبل الصيف».
وحظي مشروع «قانون يادن» بدعم الحكومة، ويأتي في سياق أوروبي وفرنسي يتسم بتصاعد النقاش حول حدود حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية.
ويقترح النص، الذي تقدمت به يادن، إدخال تعديلات قانونية مهمة، أبرزها توسيع نطاق جريمة الإشادة بالإرهاب، واستحداث جريمة جديدة تتمثل في الدعوة إلى تدمير دولة.
وترى النائبة البرلمانية أن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة تحولات معاصرة في خطاب معاداة السامية، موضحة أن هذا الخطاب لم يعد يظهر دائماً بشكل مباشر، بل قد يتخذ أشكالاً ملتوية، أحياناً تحت غطاء مواقف سياسية مثل معاداة الصهيونية.
غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات شديدة من أطراف سياسية وحقوقية، إذ يرى معارضو المشروع أنه ينطوي على مخاطر حقيقية على حرية التعبير، وقد يؤدي إلى خلط متعمد أو غير متعمد بين انتقاد سياسات «إسرائيل» ومعاداة السامية.
وقد تجسد هذا الرفض في عريضة إلكترونية حظيت بتوقيع مئات الآلاف، في مؤشر على اتساع دائرة القلق من تبعات هذا القانون.
كما عبر عدد من المسؤولين المحليين والسياسيين عن رفضهم له، من بينهم بالي باجايوكو، الذي قال إن المشروع يمثل مساساً بقيم الجمهورية الفرنسية وبمبدأ حرية الرأي.
وتنتمي كارولين يادن إلى التيار السياسي الداعم للرئيس إيمانويل ماكرون، وقد برزت بوصفها إحدى الشخصيات النشطة داخل الأغلبية الرئاسية، رغم اتخاذها في بعض الأحيان مواقف مستقلة عن الخط الرسمي.
وتشغل حالياً مقعداً نيابياً عن الفرنسيين المقيمين في الخارج، وهو موقع يعكس امتداد نفوذها السياسي خارج الحدود الوطنية.
وتعرف يادن بمواقفها الصريحة والحادة، خاصة في ما يتعلق بـ «إسرائيل» والصراع في الشرق الأوسط.
وقد برز خطابها بشكل لافت عقب هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، حيث قالت إن تلك الأحداث كشفت عن تصاعد خطير في معاداة السامية، ودعت إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهتها.
كما دخلت في سجالات سياسية مع شخصيات بارزة، من بينها جان لوك ميلانشون، حيث انتقدت مواقفه واتهمته بالتساهل في التعامل مع بعض القضايا المرتبطة بالتطرف.
وفي سياق مواقفها السياسية، لم تتردد يادن في إظهار اختلافها مع توجهات داخل السلطة التنفيذية، خاصة عندما طرحت مسألة الاعتراف بدولة فلسطينية، إذ عبرت عن تحفظها على هذا التوجه، وقررت أخذ مسافة نسبية من الخط الرسمي، في خطوة عدت دليلاً على استقلالية مواقفها داخل الأغلبية.
ولم تخل مسيرتها من الجدل، إذ واجهت مؤخراً انتقادات قانونية وإعلامية بعد تقديم بلاغ ضدها بتهمة نشر معلومات مضللة تتعلق بالمسؤولة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي، وذلك على خلفية تصريحات حول الوضع في قطاع غزة.
ولا يزال القضاء الفرنسي يدرس ما إذا كان سيفتح تحقيقاً في هذه القضية، ما يضيف بعداً جديداً إلى الجدل المحيط بشخصها.
ويعكس الجدل الدائر حول مشروع قانونها انقساماً أوسع داخل المجتمع الفرنسي، بين من يرى أن المرحلة الحالية تستدعي تشديد القوانين لمواجهة خطاب الكراهية وحماية فئات مهددة، وبين من يخشى أن يؤدي ذلك إلى تقليص مساحة النقاش السياسي وفرض قيود على حرية التعبير، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالسياسة الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك