تُعدّ أشهر المعالم الأثرية في العالم، وهي امتدادٌ حيٌّ لذلك العالم السحيق الذي تحيط به القصص والأساطير، وبقي الناس يتداولونها كأنّها عزاء لهم عن حياة فانية.
تقع على حافة الصحراء الغربية غرب نهر النيل في مدينة الجيزة، ومن بعيدٍ تتراءى لك قممها المهيبة وهي تناطح السحاب، وأبو الهول كأنّه ما يزال يقرأ من كتاب الغيب منذ آلاف السنين، ويتطلع إلى الأفق بشعور غامض.
منذ أن حللت بالقاهرة، ونفسي أن أزور واحدةً من عجائب الدنيا السبع القديمة، مدفوعا بطاقة مشاعر غريبة؛ وهل ثمّة ـ فعلاً- من عِبْرةٍ أن تترجّل بينها وتصافح أبا الهول وَجْهاً لوجه!كما اتفقنا؛ جاء أحمد في الموعد، حوالي العاشرة صباحا.
هاتفني مسؤول الاستقبالات بالفندق أنّ شخصا يطلبك في الحال، فرتّبتُ هندامي البني الخفيف الذي يتوافق وحرارة الجوّ الذي عادةً ما يسكن محيط الأهرامات في مثل هذا الوقت، ووضعت على رأسي قبعة، ودسست بعض أغراضي الضرورية في حقيبة الكتف.
خرجت إلى البهو، ووجدت أحمد ذا العشرين ربيعا واقفا بلباسه شبه الرياضي وطوله الفارع، ومتحفّزا لكل «كريهة وسداد ثغر»، لا تخطئ أمارات الوسامة عليه، والبسمة التي تخمش مُحيّاه الطفولي برفق.
سلمت عليه، وحثّني على أن نسرع الخطى قبل أن يدهمنا حرّ الظهيرة الذي لا يطاق.
ترجّلْنا مسافة خمسمئة متر من الفندق، حتى محطة أنور السادات التي هبطنا الأدراج إليها، قبل أن نذوب وسط موجات متدافعة من البشر غادين ورائحين، وكانت حركة رجال الأمن بلباسهم العسكري والمدني تكسر هذه الموجة، أو تلك لموقف خدماتي ومروري أو طارئ احتياطي.
حجزنا تذكرتين، وانتظرنا بعض الوقت.
المحطة عصرية ومُكيّفة، والناس عجلى و»تعبانة» وراء أغراض الدنيا، وقريبا منّا كانت تُلوّح لي طفلة بابتسامة عذبة.
ما إن اقتعدنا المرتبة حتى قَدِم المترو الذي أخذنا إلى محطة الجيزة.
على الطريق لم أتردد في أن أرفع كلفة الصمت بيني وبين أحمد الحييّ، فكُلّما سنح لي خاطرٌ حدّثتُه فيه، بما فيه وضع مصر بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني.
قال لي أحمد الذي يدرس الحقوق في كلية حلوان، بلهجة حازمة: «المستقبل موجود بالنسبة لي، ومتمثل في كلمة أمل وجهد، إنما الأمان مُشْ موجود».
وعرفت منه أنه يعشق الأدب والشعر، وأنه زملكاوي ومعجب باللاعب ميسي حتى قبل شهرته المُدوّية.
وكُنّا نكسر هذا الحديث وذاك بقفشات مبهجة.
بعد خمسة عشر كيلومترا، توقف بنا المترو عند محطة الجيزة، ثُمّ اندفعنا خارجها حيث بدا الجوُّ يتهادى بحرّه ويلفح المسامّ.
سأل أحمد أحد المارّة عن أيسر الطرق إلى أهرامات الجيزة، وكانت لا تزيد عن عشر كيلومترات، لاسيما أن السماسرة ـ كما تناهى إلينا- قد احترفوا البلطجة باسم الدليل السياحي وسدّوا المعابر إليها.
أشار علينا أن نستقلَّ سيارة أجرة «تاكسي» من الرصيف المقابل للشارع، وأن نحتاط من مُدلّسين يتربصون الدوائر بغرباء في مثل سحناتنا الشاردة.
وما إن تحرك التاكسي بنا حتى فتح علينا أحدهم بابها الخلفي وألقى بجثمانه إلى الداخل جنبا إلى جنب أحمد، وأخذ يعرض خدماته علينا بلهجة صعيدية، وأنا أنظر إليه من المرآة الأمامية وأتبين ملامح القسوة على وجهه وشررها في عينيه.
وكانت لهجته تحتدُّ في ما يشبه الوعيد، كلما لامس الإعراض من جانبنا.
شعرت بالخوف، وأتاني وسواسٌ بأن يسلب أحمد ويهجم عليّ بآلة حادة.
ثم سمعت صوت أحمد وهو يكلّم أحد معارفه على الهاتف، ويقول: «إننا على وشك الوصول.
انتظرنا».
لقد انطلت الحيلة – كما عرفت في ما بعد- على الرجل؛ ففي تطور ميلودرامي خرج خاسئا لا يلوي على شيء، كأنّه يجنب نفسه ما لا تحمد عقباه.
التفتُّ إلى السائق ولُمْته على حياده السلبي، بل على تواطئه.
وصلنا البوّابة التي تقع في نهاية شارع الهرم، فتنفّسْنا الصعداء.
أدّيْنا بعض الجنيهات في كشك تذاكر الدخول، وطلب مني حارس البوابة محاطًا ببعض رجال البوليس، جواز سفري المغربي، وخاطبني مُداعبا: «فيك شيء من دم الصعايدة! ».
تشمل التذكرة دخول معبد الوادي للملك خفرع، وأهرامات الملكات، ومقبرتي إيدو وقار.
وثمة تذاكر إضافية خاصة بدخول الهرم الأكبر (خوفو)، أو الهرم الأوسط (خفرع)، أو الهرم الأصغر (مُنقرع)، وأخرى لزيارة مقبرة (مر أس عنخ).
ما إن تجاوزنا العتبة حتى لاحت الأهرامات من وراء الأفق الذي تُجلّله زرقة الرهبة، كأنّما هي تسبح وسط الحرّ والسديم الحجري في زمن آخر.
تقدّم منا بعض الشباب يعرضون خدماتهم علينا، وهمس أحمد في أذني ألا نلتفت إليهم، فأكثرهم مرشدو سياحة وهميّون.
كما صادفنا في طريقنا أشخاصا يدعوننا إلى زيارة محلات العطور الفرعونية كما في زعمهم.
واقترح عليّ أحمد لو أنّ أحد الرجال يرافقنا ممن نتوسّم فيه خيرا، فقد يفي حاجتنا من الزيارة، ويقينا أذى هؤلاء وابتزازهم.
كان الحسين الذي ينحدر من إحدى قرى الصعيد يقود خطانا على آثار الفراعنة ويحكي بعض القصص الخارقة المأثورة عنهم؛ ومن ذلك أنّهم بنوا الأهرامات كقبور لهم، ولتخزين كنوزهم ومتعلّقاتهم التي يحتاجونها في حيواتهم الأخرى، وأنهم اعتقدوا بفكرة الخلود مُتصوّرين أن هناك بعثًا آخر بعد الموت: نقش الفنانون باللغة الهيروغليفية على جدران حجرة الدّفْن الخاصة بالمومياء الملكيّة، وهم يكتبون تراتيل ونصوصا يتلوها أمام الآلِهة لحمايتهم في حياتهم الأخرى، أو ما بعد الممات، ولذلك، حرص كلُّ فرعون على تسجيل إنجازاته وفتوحاته على جدران المعابد، لكي تراها الأجيال القادمة.
كما حرص على استقدام أمهر العمال والمهندسين لبناء مقابر مبتكرة، ما زالت تبهر الإنسانية إلى اليوم.
ولمّا سألته عن مقابر العمال بناة الأهرام، فتح فاه فاغِرا كأنّه سُئِل السؤال لأوّل مرة.
كنتُ أقف أمام هذا الهرم أو ذاك مَشْدوها، وأتساءل: كيف تمّ نقل حجارة يصل وزنها إلى طن واحد من مكان المحجر إلى صحراء الجيزة؛ فهذه الحجارة تحتاج بالفعل إلى الألوف من العمال ليقوموا بنقلها، ورُبّما انسحقوا تحتها؟ لقد تساءل الناس قبلي وحاروا مثل حيرتي، فوضعوا فرضيّاتٍ في الأمر؛ بعضها تفيد بأنهم كانوا يعتمدون على فيضان نهر النيل في رفع الحجارة، والبعض على قوى طبيعية خارقة، لكن ثمّة بعض الدراسات الأمريكية والفرنسية تقول، إنها حجارة قد تمّ صبُّها في قوالب خشبية، وتمّت معالجتها بالحرارة حتى أخذت شكلها الطبيعي والحالي؛ حيث كان الفراعنة القدماء بارعون في علم الكيمياء ومعالجة الطين، ولم يخبروا أحدا بالطريقة التي استخدموها.
كما ذهبت دراسات أخرى إلى أن الأجسام المبنيّة على شكل هرم تخلق نوعا من الطاقة يؤثر على الإنسان والجماد والنبات.
كنت بين الفينة والأخرى أمدُّ بصري في الصحراء، ويداخلني شعور غريب بأنّ الزمان يكاد يكفُّ عن السيلان، أو هو ينكسر بين عينيّ كالزجاج حينا، وحينا آخر قد يتحول إلى أمثولة عن العمى الذي يداهن حقيقة الصراع الذي يعتمل في دخائل النفس البشرية.
مرّت بذاكرتي كلمح البرق قصة موسى النبي، وشهودها، وسحرتها، وفرعون إذ يقول مُسْتكبرا: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ».
حتى وقفت على أبي الهول المهيب الذي مدّ رجليه الأماميّتين على الهضبة، وارتعبت كأنّي به يريد أن ينقضّ عليّ بحجره الكلسي، لكن جمع السياح الذي اجتمعوا أمامه وملأوا المكان برطاناتهم، هدّأ من روعي وحفزني على النظر إلى وجهه مليّا، وإلى بوابة الأحلام التي عليها نقش قصة الرمال التي أقعدت رجليه عن المشي وأفقدته أنفه وأنافته.
وقد قيل إنّه «أقدم مريض في التاريخ»، نظرا لاحتياجه الدائم إلى ترميم.
وأنّى منه بيت أحمد شوقي:تَحرَّكْ أبا الهَوْلِ، هذا الزمانُتحرَّكَ ما فيه، حتّى الحَجَرْ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك