في تصعيد غير مسبوق داخل الأوساط السياسية الأوروبية، دعا وزير الخارجية الدنماركي ورئيس البرلمان الأسبق موينز لوكاتوفت إلى تحرك أوروبي عاجل لفرض عقوبات على إسرائيل، معتبراً أن استمرار التردد يعكس ازدواجية معايير تقوّض مصداقية الاتحاد الأوروبي دولياً.
وفي مقال نشرته صحيفة" إنفورماسيون" في عدد اليوم الاثنين، كشف لوكاتوفت عن توقيع 390 شخصية أوروبية بارزة على إعلان مشترك في الأسبوع الماضي يطالب بخطوات عملية ضد الحكومة الإسرائيلية، في مؤشر واضح على تحوّل داخل النخبة السياسية والدبلوماسية في القارة.
يرصد لوكاتوفت في مقاله تصاعد الانتقادات الأوروبية في ظل استمرار الحرب وتداعياتها، مشيراً إلى أن انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، بما فيها التوترات الإقليمية والحرب في إيران، أتاح لإسرائيل توسيع عملياتها في الأراضي الفلسطينية دون مساءلة كافية.
ويؤكد أن السياسات الإسرائيلية، سواء في غزة أو الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تمضي في اتجاه يقوّض بشكل متسارع فرص حل الدولتين، ولأجل تطبيق سياسات تطهير عرقي من خلال السكوت على هجمات المستوطنين بحماية جيش الاحتلال.
ويذهب إلى أن ما يفاقم الأزمة ليس فقط الواقع الميداني، بل غياب رد أوروبي متناسب مع حجم الانتهاكات، في وقت أظهرت فيه بروكسل قدرة عالية على التحرك السريع في ملفات أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا.
هذا التباين، بحسب لوكاتوفت، يُفسَّر دولياً على أنه كيل بمكيالين، ويضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم نفسه كمدافع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
يكتسب موقف موينز لوكاتوفت ثقلاً خاصاً في الداخل الدنماركي، نظراً لحضوره داخل أوساط اليسار ويسار الوسط، وجرأته في كسر ما يصفه منتقدون بهيمنة خطاب مؤيد لإسرائيل يحدّ من النقاش حول إجراءات عملية بحقها.
فمنذ انتقاده اجتياح الضفة الغربية عام 2002، تعرّض لحملات اتهام دولية بمعاداة السامية لم تتوقف رغم السنوات، إلا أنه واصل الدفاع عن مواقفه والدعوة إلى تبنّي سياسات قائمة على القيم، خصوصاً في ظل الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي هذا السياق، يذهب لوكاتوفت أبعد من النقد السياسي، معتبراً أن تشريعات إسرائيلية مثل قانون إعدام الأسرى البغيض تعكس" منطق فصل عنصري"، إذ تفرض عقوبات قصوى على الفلسطينيين بتهم مرتبطة بـ" الإرهاب"، في حين يُستثنى الإسرائيليون المتورطون في أعمال عنف ضد الفلسطينيين.
ويصف هذا النهج بأنه تجسيد لنظام قانوني مزدوج يقوّض مبادئ العدالة ويذكّر بأنظمة تمييزية تاريخية.
وفي موازاة ذلك، يذكّر لوكاتوفت الاتحاد الأوروبي بالتزاماته القانونية والأخلاقية، مشدداً على أن معاهداته تنص بوضوح على أن سياسته الخارجية يجب أن تستند إلى تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان باعتبارها قيماً غير قابلة للتجزئة، معتبراً أن التناقض بين هذه المبادئ والممارسة الحالية يضع أوروبا أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها.
كما يسلّط الضوء على البعد الإنساني للأزمة، مشيراً إلى استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات إلى قطاع غزة، ما يعيق عمل المنظمات الدولية ويعمّق معاناة السكان.
ويرى أن هذا الواقع، إلى جانب التوسع الاستيطاني، يعكس نمطاً من" الإفلات من العقاب الذي لم يعد ممكناً تجاهله سياسياً".
390 شخصية توقّع على فرض عقوباتوفي هذا السياق، يستند لوكاتوفت إلى الإعلان الذي وقّعته 390 شخصية أوروبية، والذي يدعو إلى حزمة إجراءات تشمل، من بين أمور أخرى، البدء بإجراءات تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بالكامل أو جزئي، وحظر التجارة في المستوطنات غير القانونية، ووقف التجارة في السلع العسكرية مع إسرائيل، وتعليق مشاركة إسرائيل في برامج الاتحاد الأوروبي، وتوسيع قائمة الأشخاص الخاضعين للعقوبات ومنع التأشيرات لتشمل جميع المتورطين في قمع الفلسطينيين وانتهاكات القانون الدولي، إضافة إلى وضع سلسلة من معايير حقوق الإنسان التي يجب على أساسها مراقبة سلوك إسرائيل المستقبلي، على أن يؤدي عدم الامتثال لهذه المعايير إلى فرض المزيد من العقوبات الأوروبية على الحكومة الإسرائيلية.
ويعكس ثقل الإعلان طبيعة الشخصيات الموقعة عليه، إذ تضم القائمة دبلوماسيين ومسؤولين رفيعي المستوى في الاتحاد الأوروبي.
كما تضم شخصيات مؤثرة داخل مؤسسات الاتحاد، مثل جورجيو بوناتشي، المدير العام السابق في المفوضية الأوروبية وسفير الاتحاد الأوروبي، وآن بوشر، وماركو بوتي، وفابيو كولاسانتي، إلى جانب مسؤولين في مجلس الاتحاد الأوروبي مثل جيم كلوس وروبرت كوبر.
ويبرز بين الموقعين أيضاً الاسم الأثقل سياسياً، رئيس البرلمان الأوروبي والممثل الأعلى للسياسة الخارجية ونائب رئيس المفوضية ووزير خارجية إسبانيا السابق جوزيب بوريل، فضلاً عن السفير الأوروبي ونائب رئيس الوزراء الهولندي الأسبق لورنس يان برينكهورست، ونائب المدير العام في المفوضية وسفير الاتحاد الأوروبي ماركوس كورنارو، وشخصيات أخرى.
وتشير هذه التركيبة، التي تجمع بين خبرات دبلوماسية وتنفيذية رفيعة، إلى أن الدعوة لفرض عقوبات على إسرائيل لم تعد محصورة في دوائر هامشية، بل باتت تعكس توجهاً داخل قلب النخبة الأوروبية التي صاغت السياسات الخارجية للاتحاد لعقود.
ويشدد لوكاتوفت في ختام مقاله على أن الاتحاد الأوروبي أمام لحظة اختبار حقيقية: إما الاستمرار في سياسة التردد والانقسام، أو الانتقال إلى نهج أكثر صرامة ينسجم مع القيم التي يعلن الدفاع عنها.
ويرى أن اتخاذ موقف واضح لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة للحفاظ على مصداقية أوروبا ودورها في النظام الدولي، في ظل تحولات جيوسياسية تعيد رسم موازين القوى والمعايير.
ومن بين الموقعين الممثل الخاص السابق للاتحاد الأوروبي لمنطقة البحيرات الكبرى ألدو أجيللو، ومديرة في جهاز العمل الخارجي الأوروبي فيرونيك أرنو، إلى جانب عدد كبير من السفراء الأوروبيين السابقين، مثل ميكائيل بارفود، وجيفري باريت، وألكسندر باوم، وتييري بيشيه، وكيني بيل، وباتريس بيرغاميني، وآد بيسيبروك، وجان-كلود بوادان، وجون كالوغيرو، وهيلين كامبل، وجان-فرانسوا كوتان، وفيلبيرتو سيرياني سيبريغوندي، ودوناتو كياريني، وبيتر بيك كريستيانسن، وراميرو سيبريان، وجون كلارك، وتيم كلارك، ودينيس كوربوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك