خلال حفلها المقام ضمن النسخة الخامسة والعشرين من مهرجان كوتشيلا للموسيقى (Coachella)، والذي أقيم في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، خلال الفترة من 10 إلى 19 أبريل 2026م، أبدت المطربة الأمريكية «سابرينا كاربنتر» (Sabrina Carpenter) استغرابها من صوت الزغرودة، قائلة: «أعتقد أني سمعت شخصاً ما يمارس اليودل.
هل هذا ما تفعلونه.
أنا لا أحبه».
فردت عليها السيدة التي أطلقت الزغرودة، قائلة: هذه ثقافتنا.
فردت المطربة مستغربة: هذه ثقافتكم؟ ورغم توضيح أحد الحاضرين أن الصوت يمثل تقليداً احتفالياً عربياً، واصلت المطربة الأمريكية تعليقها، مشبهة الأجواء بمهرجان «بيرنينج مان».
وجدير بالذكر في هذا الصدد أن «اليودل» هي نوع من الموسيقى المؤداة بالصوت البشري الذي تصدره الحنجرة.
ويمارس اليودل بعض القرويين القاطنين في الريف السويسري، وهي تمارس من الوضع واقفاً، حيث يقف الرجل أو المرأة، ويصدر صوتاً طربياً جميلاً على نحو يو يو يو ويا ويا ويا يو وى ويا ويا ويا، مع تمديدات مدروسة في طبقات الصوت تعارف على أدائها السكان منذ مئات السنين.
وتعتبر اليودل من الفنون الشعبية الجميلة في سويسرا، التي يؤديها الرجال والنساء والأطفال على السواء، وطُور هذا الفن سنة 1911م في أمريكا، عندما تم دمج اليودل مع موسيقى الكنترى، فأصبح اليودل المتأمرك هوساً للجميع آنذاك.
وكانت موسيقى اليودل في جبال الألب تقليداً ريفياً قديماً في أوروبا، واشتهرت في ثلاثينات القرن التاسع عشر كترفيه في المسارح وقاعات الموسيقى.
وفي أوروبا، لا تزال موسيقى اليودل سمة رئيسية بارزة للموسيقى الشعبية (Volksmusik) في كل من سويسرا والنمسا وجنوب ألمانيا، ويمكن سماعها في العديد من الأغاني الشعبية المُعاصرة، والتي تظهر أيضاً في البث التليفزيوني المُنتظم.
وقد أثار موقف المغنية الأمريكية موجة من الاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع عدداً من صناع المحتوى والمؤثرين في العالم العربي إلى إطلاق حملة تضامن ثقافية واسعة، اعتبرها البعض رداً على جهلها بالتنوع الثقافي.
وردّ مؤثرون بأسلوب إبداعي جمع بين النقد والمرح، حيث نشر عدد منهم مقاطع فيديو متزامنة يطلقون فيها «زغرودة» كإهداء للمغنية، بهدف تعريف المجتمعات الغربية بجماليات هذا الصوت، مؤكدين أن الفن ينبغي أن يكون جسراً للتفاهم، وليس منصة لإطلاق الأحكام.
وإزاء ذلك، وتحت تأثير حملة الاستنكار لموقفها على وسائل التواصل الاجتماعي، قدمت كاربنتر اعتذاراً رسمياً عبر منصة «إكس»، مؤكدة أن ما بدر منها كان نتيجة ارتباك وسوء فهم، وأنها تعرفت لاحقاً على معنى «الزغرودة»، مرحبة بجميع أشكال التفاعل في حفلاتها المقبلة.
إلا أن الجدل استمر، وتحولت المنصات الرقمية إلى مساحة للاحتفاء بهذا الموروث الشعبي، في رسالة تعكس الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية.
ولعل ذلك يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة، إذا أحسن استغلالها في التعبير عن الاعتزاز بالهوية الثقافية الوطنية والعربية، والتعريف بها على المستوى العالمي.
وتُعد الزغرودة، وهي صوت مميز تطلقه النساء في المناسبات السعيدة، من العادات الشعبية الراسخة في ثقافات متعددة، وتُستخدم في الأعراس وعودة الحجاج والنجاحات الدراسية، وأحياناً في الجنازات، خاصة عند استشهاد أو وفاة شاب.
ورغم أن الزغرودة غير شائعة لدى النساء في المدن الكبرى والعواصم الحضرية، فإنها لا تزال حتى اليوم تعبيراً عن الفرح الجماعي، ورمزاً للبهجة والاحتفاء، وتُعد جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية في المجتمعات العربية، ولا سيما في المناطق الريفية.
وللزغرودة دلالات نفسية واجتماعية، فهي زاخرة بالمعاني والعواطف، تفعل فعلها في نفس المستمع ويتأثر بها حسب مزاجه العاطفي وتكوينه الروحي.
ويعود أصل الكلمة إلى الفعل الرباعي «زغرد»، وتعني رفع الصوت بطريقة جماعية، وتُجمع على «زغاريد».
وتُعرف بتسميات مختلفة مثل «الزلغوطة» و«الزغروتة»، وفي الخليج «الهلهولة».
كما ترتبط ببعض الجذور اللغوية القديمة، حيث كانت تُستخدم ألفاظ مشابهة في طقوس دينية لطلب الحماية.
وفي مؤلفه الصادر بعنوان «قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية»، يقول الكاتب الكبير أحمد أمين عن الزغرودة: اعتادت النساء في مصر أن يزغردن عند المناسبات السارة، كوجودهن في الفرح، أو عند سماعهن خبراً سارّاً، أو لرؤيتهن المحمل على جمل، وإذا حضر حاج من الحجاز أو نحو ذلك، ولهن في الزغرودة طريقة يلعب فيها اللسان، فيفهم من يسمعها أن هناك شيئاً سارّاً حدث.
وهن يسمين النغمة الأخرى الحزينة صواتاً وربما كانت الكلمة تحريفاً عن الأصوات، وهي نغمة أخرى يعلم من سمعها أن هناك حادثة وفاة أو خبراً محزناً، والأذن المصرية يمكنها أن تفرق بين الصوتين بسهولة، فتعلم أن هذا دليل على فرح أو حزن، وعلى كل فالصوت سواء كان صوت زغرودة أو صوت صوات يحمل الناس المتجاورين من رجال ونساء على تجمعهم لاكتشاف سر الخبر.
ولا تقتصر الزغرودة على العالم العربي، إذ توجد في ثقافات أخرى مثل الهند، حيث تُعرف باسم «جوكار» في ولاية البنجال، ويُعتقد أنها تساعد في طرد الطاقة السلبية وتعزيز الإيجابية.
وفي العصور القديمة، كانت النساء يطلقن الزغاريد في ساحات المعارك لرفع معنويات المحاربين، كما استُخدمت في بعض الثقافات لإثارة الرهبة في نفوس الأعداء.
بقي أن نشير أخيراً إلى أن الجدل الذي أثارته المطربة الأمريكية قد تصادف مع الاحتفال بيوم التراث العالمي (world heritage day)، وهو يوم تحتفل به العديد من دول العالم يوم 18 أبريل، وقد تم تحديد هذا التاريخ بواسطة المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية الـ(ICOMOS) للاحتفاء به كل عام، ويتم برعاية منظمة اليونيسكو ومنظمة التراث العالمي من أجل اليوم العالمي لحماية التراث الإنساني، حسب الاتفاقية التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في باريس في عام 1972م.
وتنتمي الزغرودة إلى التراث السمعي والبصري.
وربما يكون من المناسب أن نستعد من الآن إلى تعزيز هذا التراث والاحتفال به، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري، والذي يتم الاحتفال به في 27 أكتوبر من كل عام.
وقد اختير هذا اليوم التذكاري من قبل اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) في عام 2005 لزيادة الوعي بأهمية ومخاطر الحفاظ على الوثائق الصوتية والسمعية البصرية المسجلة (الأفلام والتسجيلات الصوتية والمرئية والبرامج الإذاعية والتليفزيونية).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك