تلتقي تجربة إيمانويل كانط مع تأملات ستانلي كافل عند نقطة يتداخل فيها الجمالي بالأخلاقي، حيث تتحول الصورة إلى مجال تُختبر فيه علاقة الذات بالعالم.
إن الحكم الذوقي، كما صاغه كانط، يستدعي الحسّ المشترك بوصفه أفقاً يمنح التجربة الجمالية طابعاً كلياً دون أن يقيدها بقانون صارم، فتغدو الصورة فضاءً لتداول المعنى بين الذوات، لا مجرد انعكاس بصري عابر.
هذا المسار يوسّعه ستانلي كافل داخل التفكير السينمائي، حين يجعل من المشاهدة تجربة وجودية تتصل بسؤال الاعتراف.
فالرؤية هنا تنخرط في امتحان أخلاقي، إذ يجد المتلقي نفسه معنياً بما يعاينه، مطالباً بإعادة النظر في موقعه من العالم الذي يُعرض عليه.
بذلك تكتسب الصورة كثافة تتجاوز حدود التلقي السلبي، وتستدعي يقظة فكرية متواصلة.
ضمن هذا السياق، ينفتح اشتغال محمد أشويكة على تقاطع خصب، في كتابه «فلسفة السينما»، بين الفلسفة والسينما، حيث تُستعاد الأسئلة الجمالية في صيغتها الأكثر توتراً وعمقاً.
فالفيلم يتحول إلى مختبر مفاهيمي تُعاد فيه صياغة قضايا المعرفة والحكم والغاية، ويُعاد التفكير في الصورة باعتبارها بناءً دلالياً معقداً يشتغل على الإظهار والإخفاء معاً، ويزعزع بداهة الرؤية.
تتكشف السينما، تبعاً لذلك، كفضاء تفكير يشتغل بالصورة، حيث تتولد الأسئلة من داخل التجربة نفسها.
وتستعيد الفلسفة حيويتها عبر هذا الاحتكاك، إذ تغدو أقرب إلى اختبار حي للمعنى، ينفتح على سؤال دائم: كيف يمكن للإنسان أن يرى، وأن يفكر فيما يراه، من دون أن يفقد قدرته على الحكم؟الأخلاقية في فضاء السينمافي عبوره الأول نحو توظيف الفلسفة الحديثة في السينما، يظهر محمد أشويكة وعيًا عميقًا بأهمية الفكر الكانطي في تأسيس رؤية عقلانية وجمالية متكاملة، حيث لا يقتصر النقد الكانطي على المعرفة النظرية بل يتجاوزها إلى تجربة الإنسان في إدراك العالم وفهمه.
إن الانخراط في هذا التفاعل بين الفلسفة والسينما يتطلب النظر إلى الصورة المتحركة ليس مجرد تمثيل للواقع، بل كفضاء نقدي يسمح بإعادة بناء التجربة الإنسانية على أساس المعايير العقلية العليا، التي تحافظ على الاتساق والموضوعية وتعيد صياغة العلاقة بين الجزئيات والكليات.
في هذا الإطار، يصبح الفعل السينمائي اختبارًا حيًا للنقد الكانطي، حيث تتفاعل الصورة والصوت والزمن لتشكّل تجربة معرفية وجمالية في آن واحد، تشترك فيها كل العناصر الحسية والعقلية في إنتاج معنى يعكس البنية الإنسانية بأبعادها الأخلاقية والجمالية والفكرية.
يأتي ستانلي كافل ليكمّل هذا التوجه، عبر تسليط الضوء على العلاقة بين العقلانية واللغة والمعيارية، مشيرًا إلى أن اللغة العادية لا يمكنها وحدها استيعاب الكليات العقلية، بل تحتاج إلى إطار نقدي متكامل.
هنا يظهر مفهوم «الأقنوم السينمائي» عند أشويكة، الذي يعتبر الفيلم جسراً بين الدوام والصيرورة، بين الصورة المتحركة والمبادئ النقدية للعقلانية الكانطية، بحيث تصبح السينما وسيلة لاستكشاف الماهية الإنسانية، وتجاوز الجزئيات المحدودة من خلال تجربة عقلية وجمالية متكاملة.
إن الاعتراف بهذه الدينامية يسمح بفهم السينما كأداة فلسفية قادرة على استيعاب البنى المعرفية والأخلاقية والوجودية، ويتيح للباحث إعادة التفكير في العلاقة بين العقل والفعل، بين المشاهد والنص السينمائي، وبين المعرفة والتجربة الحسية.
من جهة أخرى، يظهر النقد السينمائي المبكر مثل أندريه بازان أهمية الفيلم كخطاب متعدد الأبعاد، يسمح بإعادة بناء الواقع وتجربة الإنسان داخله بطريقة تتجاوز التمثيل السطحي.
في هذا الإطار، تتلاقى الرؤى مع أفكار رولان بارت حول «موت المؤلف»، حيث تتحول الصورة السينمائية إلى نص مفتوح على القراءة والتفسير، فتتعامل التجربة السينمائية مع العقل النقدي والجمالي في آن واحد، وتتيح للمشاهد فرصة إعادة بناء الواقع وفق رؤية متعددة المستويات، متفاعلة مع المبادئ الكانطية في إدراك الكليات وتجاوز الجزئيات المحدودة.
كما أن دمج هذه الرؤى يسمح للفيلسوف والناقد السينمائي على حد سواء بممارسة نوع من التجربة العملية للمعرفة، حيث تصبح الصورة والصوت والزمن أدوات معرفية وأخلاقية، وليست مجرد عناصر جمالية.
إن إدماج الفكر المعاصر يثري هذه الرؤية، ففي قراءة دريدا للتفكيك، تتحول السينما إلى نص متعدد المستويات، قادر على تجاوز الثنائية التقليدية بين الصورة والكلمة، بين الفعل والمعنى، ما يسمح بفهم الفيلم كفضاء متحرك للمعرفة والتفسير.
وبالمثل، يتيح بودريار في مفهوم «الواقع المحاكى» إعادة تصور السينما كفضاء يعيد إنتاج الواقع بطريقة تتجاوز المباشر، ما يجعل التجربة السينمائية اختبارًا متشابكًا بين الإدراك والفهم، بين الحقيقة والتصوير، بين الواقع والتفسير، بما يتناغم مع المبادئ الكانطية حول استيعاب الكليات والتجاوز المستمر للجزئيات.
إن هذه المقاربة تبرز السينما كأداة نقدية وفلسفية، تتيح استكشاف العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الحرية الأخلاقية والتجربة الجمالية، بين الفعل والمعنى.
وهكذا، يتحقق في التجربة السينمائية دمج بين العقل النقدي والفعل الإنساني، بين المعرفة والمعيشة، بين الحرية والصيرورة، حيث تتفاعل الصورة المتحركة مع الزمن والذاكرة والوعي لتصبح أداة معرفية وأخلاقية وجمالية.
وبفضل هذا التفاعل، يمكن للسينما أن تعكس الواقع وتعيد إنتاجه، لكنها أيضًا تتيح للإنسان تجربة جديدة للوجود، بحيث تصبح الماهية الإنسانية محور التجربة، والتجربة السينمائية فضاء لفهم الذات والعالم، ولتجربة الحرية الأخلاقية، ولإعادة إنتاج المعايير العقلية والجمالية، بما يجعل السينما جسراً بين النظرية والتطبيق، بين الفلسفة والفن، بين المعرفة والتجربة الإنسانية، وهي رؤية تفتح الباب أمام استكشاف أعمق لدور السينما في تشكيل الوعي، وإعادة تعريف الفعل الإنساني، وإعادة صياغة الماهية الإنسانية في ضوء المبادئ الفلسفية والنقدية المتعددة، بما يتيح للباحثين والمشاهدين على حد سواء الانخراط في تجربة معرفية متكاملة ومتعددة المستويات.
غير أن المفارقة التي يلتقطها أشويكة تكمن في أن الجمال، عند كانط، لا يُشتق من الواقع كما هو، بل من ذلك التواطؤ الخفي بين الحس والخيال والفهم.
إنه ليس معطىً جاهزاً، بل حدثٌ يتشكل في تفاعل هذه الملكات، في لحظة تواشج نادرة بين ما نفكر فيه وما نحلم به.
هنا، يصبح الجمال أقرب إلى ما يسميهموريس ميرلوبونتي «لحم العالم»، حيث تتداخل الرؤية مع الوجود، ويغدو الإدراك تجربة جسدية-شعرية في آن.
ولعل أخطر ما يكشف عنه هذا التصور هو أن البحث القسري عن المعنى قد يفسد التجربة الجمالية نفسها.
فالفنان، حين يُثقل العمل بدلالة نهائية، يقتل تلك المسافة الضرورية التي تتيح للذوق أن يتحقق كحرية.
وهو ما يجعل كانط يميز، بصرامة لافتة، بين عبقرية الفنان وذكاء العالم؛ فإسحاق نيوتن، رغم عبقريته العلمية، يظل أسير منهج الفهم، بينما الفنان يخلق من دون قاعدة، ويُنتج ما لا يمكن رده إلى قانون.
وعلى النقيض من الامتداد الملحمي لهوميروس، الذي يؤسس المعنى عبر السرد، يقترح كانط جمالاً بلا حكاية مكتملة، بلا غاية تُختتم.
يغدو مفهوم «العرض» عند كافل أكثر من مجرد إحالة تقنية على فعل الإظهار؛ إنه بنية وجودية تجعل العالم قابلاً لأن يُرى من جديد.
وهو ما يلتقي، على نحو خفي، مع حدس مارتن هايدغر حين اعتبر أن الفن هو انكشاف للحقيقة، لا تمثيل لها.
فالصورة السينمائية، في أفق كافل، لا تنقل الواقع، بل تعيد تقديمه كإمكان مُعاش، كأنها تمنحنا فرصة ثانية للنظر، لا بوصفنا متفرجين فحسب، بل كشهود على انكشاف العالم.
ومن هنا، فإن اختيار ترجمة عنوان الكتاب إلى «العالم معروضاً» لا يخلو من دلالة فلسفية عميقة، إذ ينقلنا من فعل العرض إلى حالة الوجود ذاته، حيث يصبح العالم موضوعاً للرؤية، لا باعتباره مكتفياً بذاته، بل بوصفه قابلاً دوماً لإعادة التشكيل.
هذا التحول في الصياغة يكشف عن حس تأويلي يقترب مما بلوره هانس جورج غادامير في حديثه عن «اندماج الآفاق»، حيث لا يكون الفهم استعادةً لمعنى جاهز، بل انخراطاً في أفق مفتوح من التأويل.
كما أن فكرة «وضع الواقع على الشاشة» التي يشير إليها كافل، تقترب من تأملات سيغفريد كراكاور، الذي رأى في السينما قدرة فريدة على إنقاذ الواقع من تلاشيه، لا عبر نسخه، بل عبر إعادة إظهاره في أفق جديد من الإدراك.
غير أن كافل يذهب أبعد من ذلك، حين يجعل من هذه العملية مدخلاً لتفكير أخلاقي، حيث تصبح السينما مجالاً لاختبار علاقتنا بالآخر، وبالحقيقة، وبإمكان التغيير.
إن السينما تتخذ طابعًا مزدوجًا، فهي من جهة ممارسة تأويلية، ومن جهة أخرى تجربة وجودية تُعيد تشكيل إدراكنا لما هو عادي.
وهو ما يجعل كافل، في قراءته، أقرب إلى حساسية شعرية تتقاطع مع شارل بودلير، الذي رأى في تفاصيل الحياة اليومية مادة جمالية قادرة على كشف عمق الحداثة.
فكما انشغل بودلير بـ«رسام الحياة الحديثة»، ينشغل كافل بالسينما كفن يلتقط العابر والهامشي، ليمنحه قيمة دلالية وجمالية تتجاوز سطحه المباشر.
هكذا، لا تعود السينما مجرد مرآة للعالم، بل تصبح، في أفقها الكافلي، ممارسة فلسفية تقيم في المسافة بين الصورة والوعي، بين ما يُرى وما يُفهم.
إنها، في النهاية، ذلك المجال الذي يُجبرنا على إعادة التفكير في أنفسنا، لا من خلال ما تقوله الأفلام، بل من خلال ما تتيحه لنا من إمكانات لا نهائية لإعادة اكتشاف العالم.
حين تفكّر السينما بدل الفلسفةفي مقاربته التأويلية العميقة، يواصل الناقد محمد أشويكة تفكيك المشروع الفلسفي لستانلي كافل بوصفه مشروعاً يتخطى التفكير في السينما كجهاز تمثيل، نحو اعتبارها أفقاً أنطولوجياً لإعادة مساءلة اللغة والعالم معاً.
فـ»القبض على السينما» هنا لا يتم عبر أدوات تحليلية تقنية، بل عبر انخراط في متاهات فلسفية تتقاطع فيها أسئلة المعنى مع حدود القول، حيث تصبح الصورة امتداداً للغة، كما لو أنها تحقق ما عجزت عنه العبارة.
ينفتح هذا الأفق على إرث لودفيغ فتغنشتاين، خاصة في بحوث فلسفية، حيث اللغة ليست مرآة للعالم بل لعبة استعمال، ما يجعل السينما عند كافل شكلاً من «ألعاب اللغة» التي تعيد توزيع المرئي والمقول.
ومن هنا أيضاً يتبدى أثر جون أوستن، إذ تغدو الأفعال الكلامية داخل الفيلم أفعالاً إنجازية، لا تكتفي بالوصف بل تُحدث العالم وتعيد تشكيله درامياً.
ولا يكتمل هذا البناء من دون استحضار الحس الروائي، كما يتجلى في أعمال جين أوستن وجورج إليوت، حيث تتجسد «الكمالية الأخلاقية» بوصفها سيرورة لا نهائية من تهذيب الذات عبر الآخر.
في هذا التلاقي بين الأدب والسينما، يعثر كافل، كما يبين أشويكة، على نموذج جمالي-أخلاقي يجعل من التجربة الفيلمية فضاءً لاختبار إمكانات العيش المشترك، بما تحمله من توترات جمالية وأسئلة إيتيقية مفتوحة.
هكذا، لا تعود السينما عند كافل مجرد فن، بل تصبح تفكيراً فيما بعد الفلسفة ذاتها: فلسفة تتخلى عن ادعاء الكلية، لتسكن الهامش، وتُصغي إلى التفاصيل، وتعيد بناء العالم من داخل هشاشته.
في المنعطف الأخير من رحلته التأويلية، يفتح محمد أشويكة أفقاً مزدوجاً للتحليل، حيث يلتقي النقد السينمائي بالتأمل الفلسفي في لحظة كثافة قصوى، مخصصاً مقامين لقراءة إحدى الذرى المؤسسة في تاريخ الميلودراما: فيلم «ستيلا دالاس» للمخرج كينغ فيدور.
هنا لا يُستعاد الفيلم بوصفه أثراً جمالياً فحسب، بل باعتباره عقدة نظرية تتكثف فيها رهانات ستانلي كافل حول السينما، واللغة، وإمكان التفكير في العالم عبر الصورة.
ينخرط أشويكة في تفكيك التأويل الكافلي لهذا العمل، حيث يُدرج ضمن ما يسميه كافل «ميلودراما المرأة المجهولة»، وهو تصنيف لا يكتفي بالتحديد الجنسي أو السردي، بل ينفتح على بعد شكيّ عميق، يجعل من التجربة الفيلمية فضاءً لتقويض البداهات: بداهة الهوية، بداهة العاطفة، وحتى بداهة السينما ذاتها.
فالميلودراما هنا ليست انفعالاً فائضاً، بل بنية تأملية تُخفي تحت كثافتها الشعورية سؤالاً فلسفياً عن الاعتراف والحرمان، عن الحضور والغياب، وعن إمكان أن تُرى الذات دون أن تُعترف بها.
ويستحضر أشويكة عمل كافل الآخر «عرض فلسفي»، حيث اللغة ليست مجرد أداة تعبير، بل نغمة وجودية، إيقاع داخلي للعمل الفكري، يكشف أن الفلسفة ذاتها ليست خطاباً محايداً، بل تجربة معيشة تُكتب بقدر ما تُعاش.
ومن هنا يتبدى انزياح كافل نحو ما يمكن تسميته «كشف موارد قوته الخاصة»، أي تلك القدرة على تحويل التحليل إلى كتابة، والكتابة إلى اختبار للذات في علاقتها بالعالم.
السينما، إذن، لا تستنفد في جمالياتها، بل تتجاوزها إلى ممارسة تخييلية راديكالية، تُخمّن اللاممكن وتمنحه هيئة الظهور، فتغدو صناعةً للَّاواقعي بقدر ما هي إعادة صياغة للواقع نفسه، واقعٍ لا يتحقق إلا بوصفه مؤجَّلاً داخل وعينا.
ومن هنا، لا تُختتم قراءة محمد اشويكة بإجابة تُغلق الأفق، بل بفتحٍ مضاعف: عتبة تفكير في سينما لم تتعيّن بعد، وفي إنسان لا يزال في طور التشكل.
عتبةٌ يظل فيها السؤال معلّقاً، لا كفراغ ينبغي ملؤه، بل كشرطٍ لإمكان المعنى ذاته كصورة لم تُعرض بعد، وككلمة لم تجد بعد نغمتها داخل العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك