حين يرتفع سعر كوب القهوة في مقهى هادئ بالعاصمة اليابانية طوكيو، فإن الخيوط غير المرئية لهذا الارتفاع تمتد آلاف الكيلومترات لتصل إلى ممر مائي ضيق في منطقة الخليج العربي هو مضيق هرمز.
قد يبدو الأمر ضربا من المبالغة، لكنها الحقيقة الاقتصادية الواضحة.
فأي اضطراب في أسعار النفط والغاز المارَّين عبر البحار يُترجم فورا إلى ارتفاع في تكاليف الشحن والتصنيع والكهرباء، وصولا إلى ثمن حبات البن وتكلفة تحميصها وتقديمها في أقصى شرق الأرض.
ويمثل مضيق هرمز" عنق الزجاجة" للاقتصاد العالمي.
فرغم أن عرضه الإجمالي يبدو كبيرا، فإن الممرات الملاحية الصالحة لمرور الناقلات العملاقة فيه لا تتجاوز 3 كيلومترات في كل اتجاه.
وتُعَد هذه المساحة الضيقة جدا بمقاييس الجغرافيا هي المتحكمة في تدفق نحو 30% من إجمالي تجارة النفط المنقول بحرا في العالم.
عن هذه الأزمة وتداعياتها والبدائل الممكنة، استضاف حلقة اليوم الاربعاء من برنامج" موازين" حسن غرة الباحث الاقتصادي في مركز" جسور" للدراسات، ليجيب عن تساؤلات ملحّة بشأن سيناريوهات إمدادات الطاقة وشكل الاقتصاد في المستقبل.
* ما البدائل المتاحة عالميا لمضيق هرمز إذا تفاقمت الأزمة؟يؤكد الباحث حسن غرة أنه من الناحية الجغرافية والعملية" لا يوجد بديل كامل لمضيق هرمز"، بل ما يوجد هو مجرد حلول لمحاولة تجاوز الأزمة، لكنها حلول تحمل أخطارا ومجازفات عديدة وليست بالسلاسة نفسها.
ويرى غرة أن الحلول المطروحة حاليا، مثل خطوط الأنابيب، تفتقر إلى" المرونة الاقتصادية" التي توفرها الناقلات البحرية، فالأنابيب تمثل مسارا ثابتا عالي التكلفة رغم أمانه، في حين تظل الناقلات عبر المضيق الخيار الأرخص والأكثر قدرة على تغيير الوجهات الجغرافية حسب الطلب، مما يضع العالم أمام مقايضة صعبة بين تكلفة النقل المرتفعة وأخطار الإغلاق في هذا العنق الضيق.
وفي مواجهة هذا الارتهان الجغرافي، استعرض غرة إستراتيجيات دول المنطقة لتجاوز الأزمة عبر" التنويع والتحوط".
كما لفت إلى إستراتيجية" ردع التنين" الصينية بتنويع مصادر الطاقة عبر الاستيراد من دول أخرى مثل روسيا والجزائر بديلا للنفط الإيراني الذي يواجه كثيرا من العراقيل.
* ما أبرز الخطوط المفعَّلة حاليا لنقل النفط بعيدا عن هرمز؟ وهل هي كافية بالأرقام؟يشير غرة إلى وجود" صمامات أمان" مفعَّلة حاليا، لكنها تعمل حلولا جزئية وليست بدائل كاملة، وأبرزها:خط أنابيب" شرق-غرب" (السعودية): يمتد من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته الاستيعابية حاليا نحو 5 ملايين برميل يوميا، مع خطط لتوسعتها لتصل إلى 7 ملايين.
خط أنابيب" حبشان-الفجيرة" (الإمارات): ينقل النفط مباشرة إلى بحر العرب بعيدا عن هرمز، بطاقة تصل إلى 1.
5 مليون برميل يوميا.
ويوضح الباحث الاقتصادي المفارقة بالأرقام، فبينما توفر هذه الخطوط مجتمعة مخرجا لنحو 6.
5 إلى 7 ملايين برميل يوميا، نجد أن إجمالي ما يمر عبر مضيق هرمز يوميا يصل إلى قرابة 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية.
هذه الخطوط المفعَّلة تغطي نحو ثلث الاحتياج فقط، بما يعني أن" عنق الزجاجة" ما زال ضيقا.
ويؤكد غرة أن دولا مثل الكويت وقطر والعراق تظل الأكثر عرضة للخطر الإستراتيجي؛ فمثلا، تعتمد الكويت والعراق (عبر موانئ البصرة) بنسبة تقارب 100% على المضيق لتصدير نفطها، في حين تمر كل شحنات الغاز المسال القطرية عبر الممر الضيق نفسه، مما يجعل غياب المنافذ البديلة المباشرة لهذه الدول تحديا وجوديا لاقتصاداتها إذا حدثت أزمة.
* يطمح نتنياهو إلى جعل ميناء حيفا بوابة بديلة لنقل الطاقة، فهل هذا السيناريو واقعي مع الأزمة؟يوضح الباحث حسن غرة أن" الكيان الصهيوني -بدعم من الولايات المتحدة- يسعى لفرض مسار بديل لمبادرة الحرير الصينية"، وهو ممر يربط الهند بالإمارات ثم السعودية والأردن وصولا إلى ميناء حيفا.
والهدف من هذا المشروع ليس تجاريا فحسب، بل هو محاولة لربط إمدادات النفط والغاز الخليجي (والإسرائيلي أيضا) بأوروبا عبر حيفا، ليكون الميناء هو" العقدة" الرئيسية في المنطقة.
لكنَّ غرة يرى أن هذه الطموحات تصطدم بعقبات سياسية كبرى، فالدول العربية -وفي مقدمتها السعودية- لديها تحفظات سياسية واضحة تمنع تحقيق هذه الرؤية على المدى القريب أو المتوسط، مما يجعل طموحات نتنياهو مجرد" أمنيات" يصعب تحقيقها على أرض الواقع الجيوسياسي المعقد.
* كيف تراقب إسرائيل حركة الملاحة والطاقة بين سوريا وأذربيجان؟ وما علاقة ذلك بضرباتها المتكررة؟كشف غرة أن إسرائيل تنظر بعين" المراقب المتوجس" إلى اتفاقيات الطاقة في المنطقة، خاصة الاتفاق السوري الأذربيجاني لنقل الغاز عبر تركيا وصولا إلى سوريا.
ومن هنا تأتي الضربات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت البنية التحتية السورية (أكثر من 1000 غارة)، فهي تهدف إلى تعطيل أي ممر طاقة لا يمر عبرها أو لا يخضع لسيطرتها، في محاولة لفرض ميناء حيفا أمرا واقعا أمام الجميع.
* برز اسم" ميناء الدقم" العماني حلا مقترحا، فهل يمكن أن يكون البديل المنشود؟يجيب الباحث الاقتصادي أن القيمة الحقيقية لميناء الدقم تكمن في موقعه الجغرافي المفتوح مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، مما يحرر حركة الملاحة من قيود المرور عبر المضايق المغلقة وأخطارها الأمنية.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الميناء من خيار إستراتيجي إلى بديل واقعي يتطلب بناء شبكة أنابيب ضخمة وعابرة للحدود، تربط حقول النفط في وسط الخليج (السعودية والكويت والإمارات) بالدقم مباشرة، وهو مشروع" عملاق" لم يُنفذ سابقا نظرا للاعتماد الطويل على المسارات التقليدية الأقل تكلفة في حينها.
واليوم، تفرض الأزمات المتلاحقة على دول المنطقة إعادة النظر في الدقم ليس فقط لكونه ميناء تجاريا، بل بوصفه" صمام أمان" جيوسياسي يستدعي ضخ استثمارات كبرى لتحويله إلى شريان تصدير رئيسي يضمن تدفق الطاقة إلى العالم بعيدا عن تهديدات الإغلاق.
* إذا تمكنت دول الخليج من الاستثمار في إيجاد حلول للأزمة، فما الذي ستحققه؟يرى الباحث حسن غرة أن الاستثمار الحقيقي سيكون عملية" شراء للوقت والأمان الإستراتيجي" من خلال تنويع مسارات التصدير والاستثمار في بنية تحتية مرنة، لكنها لن تنهي الاعتماد الكلي لدول الخليج على هرمز، بل ستنزع" فتيل الابتزاز" السياسي.
ويوضح غرة أن الهدف هو بناء" مصدّات اقتصادية" تمكّن المنطقة من تقليل حالة الإرباك العالمي عند وقوع أي إغلاق للمضيق، فإذا توفرت البدائل الجاهزة والمخزونات الخارجية، يمكن امتصاص الصدمة العالمية لمدة تتراوح من 3 إلى 6 أشهر.
هذه المدة هي" النافذة الذهبية" التي تسمح للحلول الدبلوماسية أو التدخلات الدولية بالعمل دون أن ينهار الاقتصاد العالمي أو تقفز أسعار النفط إلى مستويات فلكية نتيجة الذعر اللحظي.
* من الرابحون من تأزم الوضع في مضيق هرمز؟أكد الباحث الاقتصادي أن روسيا تُعَد الرابح الأكبر من أزمة المضيق، إذ تمكنت من زيادة حصتها في السوق الصينية التي كانت تعتمد على مخزون النفط الإيراني بنسبة 50%.
كما تحدَّث عن استفادة تركيا أيضا من أزمة المضيق، واصفا إياها بأنها" رابح صامت" من خلال سعيها لتكون الممر البديل والآمن لإمدادات الطاقة من آسيا الوسطى نحو أوروبا.
أما الولايات المتحدة، فقد استفادت شركاتها من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على النفط الصخري، رغم معاناة المواطنين بسبب ارتفاع أسعار البنزين.
كما لفت غرة إلى اعتبار أن النفط الأمريكي لا يمكنه تعويض الخليجي بالكامل، لأن النفط الخليجي" أعلى جودة" وأقل في تكلفة الاستخراج مقارنة بالنفط الصخري الأمريكي الذي يُعَد مكلفا جدا في إنتاجه.
* كيف تحمي دول الخليج نفسها إستراتيجيا في المستقبل؟الاتجاه الآن هو نحو" التخزين الخارجي والشراكات":السعودية: عقدت شراكات مع دول كبرى مثل الصين لضمان تدفق الإمدادات.
الكويت: هناك توصيات بتخزين احتياطيات ضخمة (300-400 مليون برميل) في دول أخرى.
قطر: لديها تجارب قديمة في تخزين الغاز في تكساس بأمريكا لضمان سهولة التوزيع.
* ما شكل الاقتصاد العالمي في المستقبل بعد هذه الأزمة؟يشير غرة إلى فكرة" استئجار المدن" التي طرحها العالِم بول رومر حائز جائزة نوبل.
فقد نرى دولا تستأجر موانئ أو مناطق إستراتيجية في دول أخرى (كما تفعل دبي في موانئ عالمية عدة) لإدارة مواردها بعيدا عن بؤر الصراع المباشرة.
* هل يمكن إعادة فتح الخطوط التي تعطلت تاريخيا لأسباب سياسية؟أشار غرة إلى خطوط تاريخية مهمة غير مفعلة، وإعادة إحيائها ليست مستحيلة ولكنها تحتاج إلى جهود سياسية واستثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها بعد سنوات من التوقف.
أيُّما أفضل اقتصاديا، الأنابيب أم الناقلات البحرية؟هي مقايضة بين التكلفة والأمان.
مضيق هرمز هو الأرخص اقتصاديا للنقل عبر الناقلات ولكنه الأكثر خطرا.
في المقابل، الأنابيب تُعَد" أغلى تكلفة في الإنشاء والتشغيل، لكنها أكثر أمانا".
وحاليا، تجد أوروبا أن النفط الأمريكي خيار جيد بأسعار تنافسية، مما يقلل من جاذبية الاستثمار الضخم في أنابيب طويلة ومعقدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك