هل من بؤسٍ أقسى أو من مأساةٍ أفظع أو هولٍ أعتى مِنْ أنْ تَنْصحَ جهةٌ ما بشراً فوق رؤوسِهم الطير، وينتظرون تطايرهم أشلاءً، أنْ يكتبَ كلٌّ منهم وبخطٍّ لا يُمحى الاسم على يده، كي تُعرف جثته بين الأنقاض، ومِنْ أنْ يسألَ من ينتظرُ تناثَره الناصحَ بالسخرية المرّة: ماذا نفعل لو خلط الصاروخ الأشلاء بما يتناثر من أشلاء؟هل هناك أكثر مأساويةً، والحقيقة أن هناك ما لا يعدُّ في غزّة، منْ أنْ تقولَ فتاةٌ من غزّة لحبيبها إنَّ: «ما أخافه ليس الانفجار ذاتُه، / بل أن أبدو مشوّهةً على شاشة «الجزيرة»، وقد/ بانت ملابسي الداخلية/ أنا أعتني بملابسي لدواعٍ تفجيرية…».
هل هناك أشدّ ألماً، والحقيقةُ أن هناك ما لا يُعدُّ في غزّة، من أنْ تقول أمٌّ شهيدةٌ لطفلها: «نم في سلامٍ يا حبيبي/ وأخبر اللهَ أني ركضتُ بكم ما استطعتُ/ من قصفٍ إلى قصفٍ/ ومن بيتٍ إلى خيمةٍ إلى ماء بحر».
وهل هناك أشدّ ظلماً وحيرةً ويأساً في حصارِ جَزْر الأطفال من أن يسأل أبٌ الله بـ: »سنّتكَ يا ألله أن يدفِن الأولادُ آباءَهم/ أمّا أنْ يدفِن العجائزُ أحفادَهم/ فسنّة مَنْ؟ ».
إنها «القيامة الآن»، القيامة الأعتى هولاً في واقعها مما حدث أبداً، ومما تمّ تصويره في أيّ فيلم سبق ولو بالخيال، القيامةُ الآن ولا عزاء لأهل غزّة سوى طلبُ أحرار العالم العذر منهم على العجز عن تقديم ما يبل ريقَ جثثهم.
القيامة الآن وقد «انشقّ القمر» عن أمةٍ كاملةٍ تتمدّد جثةً من المحيط إلى الخليج، ويا للهول إذ يجري البحث دون جدوى، عن ورودٍ لم يعد من جدوى لعدّها أمام ما يتراكم من جثث.
ورود لا تتخلّى عن أشواكها:ربما يلزم الاعتراف مسبقاً، في قراءة مجموعة الشاعر الأردني حسين جلعاد «ورود يوم القيامة»، بأنّ سؤالَ المشهد يتكرّر في القراءات عبر تاريخ الفنّ، ولكنْ ماذا يفعل الراصد للبشر الذين يكرّرون طحن عظام بعضهم؟ في الأحداث الكبرى المتسارعة والمهولة التي تطلبُ التعبير عنها بإلحاحٍ، ويقف الفنّ حائراً أمام فخّ ما يسمّى المباشرة أو التسجيل الذي يُبعد الفنّ عن ارتقائه إلى ما يبقى.
الشعراء المميّزون الخبيرون بالخروج من فخاخ ما يُسقِط الشِّعر، يَخرجون غالباً بما يمنح الشعر أبعاداً أخرى أعمق في التعبير؛ وأمام حدثٍ مَهولٍ أطّره العالم في عنوان جملةٍ مرعبةٍ هي «الإبادة الجماعية» العنصرية، ويستمرّ لحظياً من دون توقّف، بما تصعب ملاحقة التعبير عنه فناً يخرج عن فخاخ إسقاطه بالمباشرة.
يمتطي الشاعر حسين جلعاد صهوة الجرأة بإدراكٍ كما يبدو لما يُقدم عليه، من توليف سجِلٍّ شعريٍّ خاصٍّ بغزة، وأهلها الذين يهديه لهم، مدفوعاً كما توضح القصائد، خارج الألم مما يحدث وداخله في ذات الوقت، بمحاولة إبعاد الموت عن قلوبهم وأرواحهم.
وذلك من خلال عرض شعريّ صادمٍ، ينخز ربّما، سطح بحيرة نوم ضمير الأقربين، إن لم يكن حجراً لا يرحم، يهزّها وربّما يُفجّرها عند وصوله إلى قاعها، بحلم الشعر في جميع الأحوال.
وطالما أن الأمر يستحق أن تكون إنساناً مهما كانت نتائج الفن، يفتح جلعاد المباشرةَ في قصائده المعبّرة عن المأساة، من غير وجلٍ، إلى أقصاها، ويشابكها بالمجاز، لكي ترتقي المباشرة إلى آفاق فنائها بالفن.
مثلما يفعل كمثالٍ في المقطع الثاني «بالكاد» من الباقة الأولى، إذ يُصوِّر الزّنّانات الخفيّة، ومآل الانفجار، كما لو أن الرقابة عتّمت الصّور لكونها مشاهد مؤذيةً لا يجب أن يراها مشاهدو المنازل والأطفال.
وبـالمجازات التي تفتح خيال القارئ على الرعب، حيث، «تهوي خزائن الثياب، / وتسقط الأحذية/ تحت ركام المنازل/ وزوايا الدرج»، ويحضر مجاز النتيجة بالسخرية المرعبة أكثر، حيث: «يضحك الصغار في البيت الجديد عند باب السماء».
ولا يكتفي جلعاد بفتح هذه المباشرة إلى الأقصى، بامتدادها الذي يكاد فيه القارئ أن يطلب منه التوقف رحمةً بقلبه، إذ تبلغ به الجرأة خوض تحدٍّ نوعيّ آخر، من المتوقّع أن يفتحَ النار فيه عليه المطبِّعون والمتآلفون مع الكيان الصهيوني، وبالأخصّ منهم المصابون بمرض اليسارية الطفولي.
أولئك الذين لا يُضيرُهم نفاقاً، وهو الأبعد عنهم، تمجيدُ ثائر الكفاح المسلّح أرنستو تشي غيفارا، وارتداؤهم ثوبَ رفْع صورة استشهاده إلى مستوى خلاص المسيح، الواسع عليهم.
إذْ يفتتح جلعاد مجموعته الشعرية والمقطع الأول من باقتها الأولى «على حافة النفق»، بتمجيد ثائر المقاومة بالكفاح المسلّح يحيى السنوار، وتمجيد فعل 7 تشرين الأول (أكتوبر)، الذي رسمه ونفّذه بالمقاومة المسلّحة التي لم يعدْ من مجالٍ إلا لها، أمام مآل ما ترتكبه الصهيونية من تطهير عرقيّ، ، حيث: «صفع السنوار ضابط التحقيق/ فتناثرت أسنان الجيش الذي لا يقهر.
/ في السابع من أكتوبر»… ويؤكد ذلك في المقطع الخامس منها بـ:طرقوا الباب عليَّ وقالوا: يحيى دكّ الجدارمع تصوير عبور جدار الفصل العنصري، بعد ذلك بـ: «لقد عبرتُ ذلك الجدار/ لأول مرة أرى الله/ العالَم مختلف من هذا الجانب».
ويزيد جلعاد كثافة هذا التحدّي، بختام باقات ورود مجموعته، بالصورة الواقعية الأسطورية لاستشهاد السنوار وهو يقذف مسيّرة ترصده من عمق جراحه بعصا، إذ: «نام فوق ظلّه/ ورأى جنازةً تسير بلانعشٍ، / قال للريح: / «احملي ما تبقّى مني/ واتركي الأعداء يتهامسون: / كيف انتصر رجلٌ بعصا.
/… من هنا مرّ نبيُّ العصا/ من هنا مرّ يحيى».
ولكي يمنح المباشرة مسحة زيت الشعر، يشابكها جلعاد بمصطلح «الحرية الحمراء» الذي لا يغيب عن ضمير العرب الجمعي وثقافتهم في الكفاح ضد الاحتلال، ويبدو القصد والتشابك واضحاً في تراكبه الواقعي الشعري، إذ اشتُهِر السنوار قبل استشهاده بترديد بيت أمير الشعراء أحمد شوقي: «وللحرية الحمراء بابٌ/ بكل يدٍ مضرّجةٍ يُدقُّ»، الذي قاله في قصيدة تضامنه مع دمشق تحت نار قصفها من قبل الاحتلال الفرنسي.
حيث:… طفلٌ صغيرٌ سيلتقط العصاويقودُ الطائرات إلى قلب الهاجاناهوردة فن الشعر بين الباقات:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك