لطالما كان السؤال ذاته يطرح على جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك" جي بي مورغان": ما الخطر الأكبر الذي يهدد الاقتصاد العالمي؟ ولسنوات، لم يكن جوابه يتغير كثيراً: الجغرافيا السياسية.
توصيف ديمون لم يكن مبالغاً فيه.
فالعالم شهد خلال فترة وجيزة سلسلة من الصدمات الكبرى، بدءاً من الغزو الروسي لأوكرانيا، مروراً بتفجر الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وصولاً إلى الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران وما تلاها من تداعيات امتدت في أرجاء الشرق الأوسط.
يضاف إلى ذلك تصاعد الاحتكاكات التجارية في ظل سياسات الرسوم الجمركية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتصريحاته غير التقليدية بشأن غرينلاند، فضلاً عن التوتر المتصاعد مع الصين.
مشهد عالمي يوحي بأن النظام الدولي يقف عند ذروة غير مسبوقة من الاضطراب، وفقاً لما ذكرته" Fortune"، واطلعت عليه" العربية Business".
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، يرى ديمون اليوم أن تهديداً جديداً لا يقل خطورة، بل قد يفوقها تأثيراً، يلوح في الأفق، والمرتبط بالأمن السيبراني.
خلال مشاركته الأسبوع الماضي في بودكاست حي على هامش مؤتمر" إن بي آي إم" التابع لبنك النرويج للاستثمار في أوسلو، سئل ديمون عن أكبر مصدر قلق لديه حالياً.
وجاء رده فورياً ومباشراً: " الهجمات الإلكترونية".
وأوضح رئيس" جي بي مورغان" أن الجهات السيئة ستستخدم الأدوات السيبرانية، وستصبح أقوى وأكثر قدرة على اكتشاف الثغرات، في إشارة واضحة إلى التطور المتسارع في قدرات القراصنة بدعم من الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول في تقييم المخاطر لم يأت من فراغ.
ففي الشهر الماضي، كشفت تقارير حصرية عن أن شركة" أنثروبيك" لتطوير الذكاء الاصطناعي تختبر نموذجاً جديداً يعد الأقوى في تاريخها، يعرف باسم" ميثوس".
تسريب بيانات داخلية أظهر أن الشركة نفسها تعتقد أن هذا النموذج يحمل مخاطر غير مسبوقة على الأمن السيبراني، وهو ما أدى إلى موجة بيع واسعة في الأسواق، خاصة أسهم شركات البرمجيات والخدمات المالية.
الذكاء الاصطناعي.
الفرصة والتهديدرغم الوعود الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للشركات والموظفين وأسواق المال، فإن قدرته المتصاعدة نفسها هي ما يجعله مصدراً لقلق متزايد.
مخاوف ديمون اليوم تتقاطع مع تحذيرات مبكرة أطلقها قادة التكنولوجيا.
ففي عام 2023، حذر الشريك المؤسس ل" مايكروسوفت"، بيل غيتس، من ثلاثة مخاطر رئيسية للذكاء الاصطناعي، وهي سرعة الاضطراب الاقتصادي، وضمان بقاء الأنظمة الذكية منسجمة مع القيم الإنسانية، وأخيراً (وهو الأخطر) وقوع هذه التكنولوجيا بأيدي جهات خبيثة.
أشار غيتس حينها إلى أن النماذج المتقدمة قد تصبح قادرة على تنفيذ هجمات سيبرانية، أو حتى تهديد الأمن القومي.
وتعززت هذه المخاوف على أرض الواقع.
ففي سبتمبر 2025، أعلنت" أنثروبيك" أنها كشفت عن حملة تجسس عالية التعقيد استهدفت نحو 30 هدفاً عالمياً، مؤكدة بدرجة ثقة عالية أن جهة صينية مدعومة من الدولة حاولت التلاعب بأداة" كلود كود" لاختراق أنظمة حساسة.
ورغم سعي" أنثروبيك" للحد من هذه المخاطر عبر منح عدد محدود من العملاء إمكانية الوصول إلى نموذج" Mythos" لرصد الثغرات ومعالجتها، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن مجرمي الإنترنت سواء عبر تطوير نماذجهم الخاصة أو استغلال نماذج قائمة يحققون بالفعل اختراقات بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
السياسة لا تغيب عن الصورةوعلى المدى الطويل، لا يزال ديمون يرى أن التوترات السياسية العالمية تمثل خطراً وجودياً على" العالم الحر".
حروب أوكرانيا وإيران، في نظره، تظل حاضرة في صدارة المخاطر، إلى جانب ضرورة الحفاظ على قوة التحالفات الغربية.
وقال ديمون إن أضعف ما يمكن أن نفعله هو تفكيك حلف شمال الأطلسي، محذراً من أن تفكك الغرب قد يصبح يوماً ما عنوان كتاب: كيف ضاع الغرب.
وأضاف أن توحيد الصف الغربي اقتصادياً وعسكرياً مسألة حاسمة، حتى في ظل وجود شكاوى مشروعة يمكن التعامل معها دون تمزيق النظام القائم، وهو بالضبط" ما تسعى إليه روسيا والصين".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك