هكذا إذن بقيتِ صامتة ولا تريدين الكلام في تلك العُلّية الواسعة المليئة بالأشباح الصلبة والأخيلة الآيلة إلى التبخّر.
كان المكان الأخير الذي حمانا من جمع المسوخ الهائجة التي تتبدّل وجوهها لحظياً بين ما هو بشريّ وما هو متوحّش (هل يوجد بالفعل فرق بين هذين؟ ).
كنتُ أعرف أنّ وقت الاختباء يكاد ينتهي وسيحين موعد الرحيل، ولكنك لا تزالين مصرّة على الصمت المُعاتِب والقهر المرير.
لماذا؟ أذكر أنّك أخبرتِني بعينيكِ وأنت تمرّين بين القامات السادرة المعدومة الوجوه، المطمئنة معنا أنّ النجاة محتومة، ولكن طغيان المَقتَلة في الخارج كان يخنق الروح الفاهمة.
تكّات ساعة ذلك المغيب الغامض تأكل قلبي، لأنّ الخروج يقترب وبوّابات هذا العالم ستختفي أو تتغيّر إلى أبد الآبدين، ألن تقولي شيئاً؟ !ثم حانت اللحظة، وفُتِح الباب لكي نغادر، نحن الأشباح الذين وُهِبنا نعمة البخار الذي نُفِخت فيه نسمة الحياة إلى حين.
حانت اللحظة ووجدتك أمامي، بلا حزن ولا غضب، ووجهك صفحةُ نهارٍ لم أره إلّا في غابر الحِقَب، أو هل كان ليلاً ذلك الذي فيه تُخرِج الألوان ما في باطنها من مجاهيل؟لن أقول إنني ضممتكِ لئلّا يتقوّل السامعون ما ملّت منه الشفاه عبر كل تاريخ الأوهام.
ويلٌ لي إن كنت أدنّس لحن السكوت بعواطف ممجوجة! ويلٌ لمن يخون ناموس النجوم ويطلب المزيد! احتفلنا بالفراق…بلا مرارة.
ما أطيبَه وما ألذّ نكهته على العنق وعلى مفارق القلب! ما أحلى الأكتاف المغادرة وهي تحمل رائحة الزَّهر الغريبة ووشيش العُلّيّة، التي هدمَتْها إرادة الرحمة قبل أن تلتهمها العادة!وكم هو محظوظ من سمع هسيس الطمأنينة الأخيرة من صدرك الذي كان يسحبه البخار من بين أضلاعي برأفة ووداعة!كنت ألتقي في تلك الأروقة الأفعوانية بعينيكِ المترفّعتين اللتين تفصحان عن أشياء وتخفيان أشياء أكثر.
أمّا اسمُكِ فكان مِشكالاً يصدّر الاحتمالات ببراعةٍ مُخاتِلة.
كنت أفكّر أنّ بعض الأسماء تعني لي أكثر من غيرها؛ بعضها تثير الغيرة (عليها) أكثر من غيرها.
بعضها بالطبيعة كتمان؛ بعضها بالطبيعة كبرياء.
بعضها حَرَمٌ مَنيع؛ بعضها غابة مسحورة تدعو الجميع.
بعضها ماءٌ سلسبيل ولكن بلا ذاكرة؛ بعضها حجاب، ولكن ما وراءه لا يبارح القلب، وبعضها كثافة كألوان أهلوِس بها وأنا أتخيّل غابات خط الاستواء.
أبحث بصبر وطول أناة عن اسمك على قوائم الطلاب المنشورة على النوافذ الكبيرة، وفي تردّدات الهمسات التي تتسرب من الحلقات المتجمّعة حول الأبواب الخشبية المملة الألوان قُبَيل بداية المحاضرات.
يوماً بعد يوم أحصر الخيارات وأحدّد الاحتمالات الأقوى.
أقول لنفسي مشيتك لا تتناغم وهذا الاسم أو ذاك، أو أٌسرّ بأنّ عينيك لا تقولان إنّ اسمك كذا، أو أقنع نفسي أخيراً بأنّ تململ العشّاق الذي يُلقي بظلّ غريب على حوافّ شفتيك يجعل اسمك يبدو أقرب لاسمٍ فيه عجرفة طفيفة محببة.
تضحكين الآن؟ تقولين إنه كان يجب أن ألقيَ عليك السّلام وأسأل؟ وماذا كنتُ سأفعل حينها بالتوتّر في وجهك؟ بالقسمات التي تصارع كي تبدو أكثر جدّية وبلا اكتراث من أيّ نوع كان؟ بصديقاتك اللاتي يسحبنك من ذراعك بعيداً عنّي ويضحكن؟ ثم بتجاهلك النَّظَر نحوي حتى نهاية العام؟لا… اطمئني، أعرف كيف أتخلص لوحدي من كل الاحتمالات، واحداً تلو الآخر، حتى يبقى اسمك لوحده على الحائط، أحتفظ به على ورقة أضعها قرب القلب، ثم أمضي بهدوء مع كنزي الثمين.
الدرج طويل، يكاد ينتصب زاوية قائمة، أرتقيه بسهولة.
سجّادة غابة ـ محيطٌ من الصوف والكتّان.
النافذة العريضة شرفة لكوكب؛ لا تنتهي.
أطرافها غير مؤكّدة، لأنّ المفردات لا تحضر للّسان.
أمسك مجلّة مرميّة على السرير: زوايا وأنوار بلا ألوان، لكنّها شديدة الإبهار، ووجوهٌ مَواشير وأطياف.
تعتريني رغبة بالإغفاء: شيء يكاد يأتي إلى الذين ينامون.
ذلك الدوّار وحوله السائرون؛أصدقائي يصخبون في مقهى بضوء أبيض؛وأنتِ، هل ستكونين في السوق، في شارع الأمكنة العشرة الآلاف؛ وفمك رطب قبل الكلام وبعد الكلام؟توابل المدينة، ترابها ـ ترابها المدفون تحت الأقدام والقصص المختَلَقة.
وأنا أسابق ـ أسابق كياناً ما؛ ميقاتاً معيناً؛ حيلولة ما.
في قلبي كنزٌ أعطيتِنيه.
كم أحبّ أن أصخب مع الرفاق وفي جعبتي كنز، وفي ذهني بقايا أطراف المدينة الموغلة في الظلمة المنيرة، والألوان الشاحبة وجدران المرمر، وصورتك وقد وضعتِ عليك ما اتفق لكي تسلّمي الكنز باليد.
تلمسين ولا تلمسين، ومعصمك يُصدّر فتورَه الريّان إلى باطن إبهامي، وحلم دافئ يفرّ من باطن ذراعك الرشيقة.
وأنتِ لا تقولين ما ينبغي، وكم هي حلوة عيناك حين لا تقولين!المدينة ـ وأنا في عمقها الشاهق ـ تنتظر.
وأنتِ في الأطراف الملتفّة بشجرها الفارِهِ العملاق وعواصفِها التي تسكن الشُّرُفات.
كل شيء غابة حوشيّة، فلماذا الانتقال؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك