الخرطوم 14 مايو 2026– باركت هيئة علماء السودان قرار فك الارتباط الإداري والتنظيمي بمفوضية العون الإنساني.
ولا يعتبر هذا القرار عند كثير من المراقبين مجرد إجراء إداري، بل نقطة تحول جوهرية في مسيرة الهيئة، التي أعلنت بذلك انطلاق مرحلة جديدة تركز على الجانب الدعوي بعيداً عن قيود العمل المنظم تحت مظلة المفوضية.
ومنذ عام 2005، أُدرجت الهيئة الدينية تحت مظلة مفوضية العون الإنساني كـ “منظمة مجتمع مدني” أو “جمعية طوعية” من الناحية القانونية.
وأصدرت مفوضية العون الإنساني قراراً إدارياً برقم (1) خلال مايو الحالي، بفك الارتباط مع هيئة علماء السودان ورفضت إعادة تسجيلها من جديد، استناداً لقانون العمل الطوعي لسنة 2006.
وبررت المفوضية القرار بأن نشاط الهيئة دعوي وديني ويتعارض مع مبادئ العمل الإنساني، بينما باركت الهيئة القرار لتعزيز استقلاليتها.
واعتبرت المفوضية التسجيل مخالفاً لطبيعة المنظمات الطوعية والإنسانية؛ مشيرة إلى أن النظام الأساسي للهيئة يتضمن أهدافاً (مثل إقامة الدولة المسلمة) لا تتسق مع مبادئ العمل الإنساني غير المتحيز.
في المقابل، أعلنت الأمانة العامة لهيئة علماء السودان تأييدها الكامل لقرار فك الارتباط، معتبرة إياه خطوة تفتح آفاقاً جديدة لعملها الدعوي المستقل.
ويؤكد الخبير القانوني معز حضرة، في حديث لـ “سودان تربيون”، أن تسجيل هيئة علماء السودان لدى مفوضية العون الإنساني كان منذ البداية خطأً إجرائياً وقانونياً.
وأوضح حضرة أن الهيئة، رغم التحفظات على مسمّاها الذي يوحي باحتكار الدين والعلم، ما كان ينبغي أن تُسجل بهذا الاسم ابتداءً.
وجزم من الناحية القانونية بأن مفوضية العون الإنساني ليست الجهة المختصة بتسجيل مثل هذه الهيئات، إذ إن مكانها الطبيعي هو وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
واعتبر أن القرار الصادر مؤخراً بإلغاء تسجيل الهيئة يُعد تصحيحاً لوضع خاطئ، مشيراً إلى أن الهيئة استغلت الأوضاع التي تلت انقلاب البرهان وحميدتي لتمرير تسجيلها، ثم أعادت الكرة بالتسجيل في بورتسودان بعد اندلاع الحرب، وهو إجراء غير قانوني لأنها لا تندرج تحت فئة منظمات العون الإنساني.
وشدد حضرة على أن قرار عدم التسجيل سليم تماماً؛ كونها مؤسسة دينية لا صلة لها بالعمل الإنساني الإغاثي، داعياً إلى ضرورة تعديل اسمها لإنهاء حالة احتكار الشأن الديني، على أن يتم تسجيلها وفق القانون في وزارة الشؤون الدينية.
من جهته، اعتبر أستاذ العلوم السياسية، د.
محمد إدريس، أن قرار عدم تسجيل هيئة علماء السودان في مفوضية العون الإنساني “قرار سياسي بامتياز”.
ورأى إدريس، في حديث لـ “سودان تربيون”، أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بدأ فعلياً في التخلص من أعباء تنظيم الحركة الإسلامية وإنهاء حقبة الوصاية الدينية لـ “الإخوان المسلمين” وإرث النظام السابق.
وذكر أن الهيئة كانت تمارس دوراً وصائياً على أفكار ورؤى أهل السودان، وشكلت أحد السدود التي نصبها النظام السابق لتحوير الدين وتلوينه بالسياسة المرتبطة بمصالحه ونفوذه.
واعتبر إدريس مباركة الهيئة للقرار مؤشراً على رغبة متبادلة أو استجابة لمطالب قديمة للهيئة لتتحرر من قانون المنظمات الذي تخضع له المفوضية لتكتسب صفة قانونية تتيح لها استقلالية أكبر في الفتوى والتحرك السياسي.
واستحضر إدريس في حديثه الفتاوى التي أطلقها عدد من علماء الهيئة إبان هبة سبتمبر وثورة ديسمبر، والتي حرمت وجرمت الخروج على الحاكم آنذاك.
وشدد على أن الخلط بين الهيئات والمفوضيات أمرٌ “استحسنه” النظام السابق لتمرير أجندته، معتبراً أن الهيئة نفسها يجب أن تُحل ويُحال قادتها للمحاسبة على ما اقترفوه من تفسيرات خاطئة طوال الفترة الماضية – وفقاً لرأيه.
ولاحقاً، أصدرت هيئة علماء السودان بياناً رسمياً ممهوراً بتوقيع الأمين العام خالد آدم شيخة، أوضحت فيه موقفها من قرار مسجل منظمات العمل الطوعي والإنساني القاضي برفض تسجيل الهيئة، مؤكدة تمسكها بحقها القانوني والمؤسسي.
وذكرت الهيئة في بيانها أنها تقدمت بطعن رسمي بتاريخ 12 أبريل 2026 ضد الانتخابات التي انعقدت في 9 أبريل، معتبرة أن الجهة التي دعت إليها غير مفوضة وأن تكليفها انتهى بقرار سابق.
وقالت إن رد المسجل جاء في 10 مايو 2026 عبر القرار الإداري رقم (1) لسنة 2026، والذي رفض تجديد تسجيل الهيئة بناءً على طلب مجموعة أخرى برئاسة إبراهيم محمد صادق الكاروري وعلي عيسى عبد الرحمن، وهو ما اعتبرته الهيئة قراراً لا علاقة له بالطعن المقدم.
وقال مصدر في الهيئة طلب حجب اسمه، إن الوضع السابق جعل الهيئة -وهي جهة دينية استشارية- تُعامل إدارياً معاملة منظمات الإغاثة والجمعيات الخيرية، مما حدّ من قدرتها على التحرك ككيان مرجعي- وفق قوله.
وشدد على أن قانون مفوضية العون الإنساني صارم فيما يخص التمويل والنشاطات وهو ما حرم الهيئة من نشاطات دينية مهمة، لافتاً إلى إمكانية دراسة تحويلها إلى هيئة مستقلة بموجب قانون خاص بها.
ويرى المحامي والمتخصص في قوانين الهيئات حاتم السنهوري، أنه رغم صدور قرار بعدم تسجيل “هيئة علماء السودان”، إلا أنها ظلت تعمل كذراع ديني تابع لسلطة الإسلاميين، حيث تخصصت في توفير فتاوى جاهزة تهدف لإطالة أمد القهر، والاعتداء على الحريات العامة، وخلق أجواء من الإرهاب لدعم النظام.
وأشار السنهوري في حديث لـ “سودان تربيون” إلى أن الهيئة وفرت غطاءً شرعياً زائفاً لنظام حكم البلاد ثلاثين عاماً عبر أجندة سياسية مضللة.
كما شدد على أن هذه المنظومات تشبه في تكوينها أجهزة النظام الإيراني، وهي مراكز نفوذ تابعة للتنظيم العالمي تتدثر بغطاء الدين لتثبيت الاستبداد، موضحاً أن حلها كان ضرورة لتفكيك بنية التمكين، واسترداد أموال الشعب، ومحاكمة المتورطين في الجرائم التي انتهكت كرامة السودانيين لسنوات طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك