بعد قرار إلغاء معرضه" رسومات ضد الإبادة" في لندن قبل أيام، عاد اسم الفنان التشكيلي البريطاني ماثيو كولينغز إلى واجهة النقاش الثقافي في بريطانيا، في سياق سجال متصاعد حول حدود حرية التعبير في الفن عندما يلامس قضايا سياسية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها الحرب على غزة، وما يرافقها من خلافات حول توصيف العنف والإبادة والنقد الموجّه إلى إسرائيل.
وكان من المقرر أن يُفتتح المعرض في فضاء" دلتا هاوس ستوديوز" بمنطقة واندسوورث جنوب غربي لندن خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 24 مايو/ أيار الجاري، قبل أن يُلغى، عقب اعتراضات قانونية تقدمت بها منظمة" محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" (UKLFI)، التي وجّهت مراسلات إلى إدارة المكان أعربت فيها عن" مخاوف من أن بعض الأعمال تتضمن مضامين يمكن أن تفهم على أنها معادية للسامية"، ما دفع الجهة المالكة إلى سحب الموافقة على استضافة الحدث.
ويضمّ المعرض، الذي سبق أن عرضت نسخة أولى منه في مدينة مارغيت البريطانية، نحو 130 عملاً تشكيلياً، تتمحور حول مشاهد رمزية للعنف المرتبط بحرب الإبادة على غزة، من خلال شخصيات سياسية وعسكرية وعمومية تقدم في سياقات نقدية حادة، تعتمد على التمثيل الاستعاري والتكثيف البصري بدل السرد التوثيقي المباشر.
يدافع كولينغز عن مشروعه بكونه ممارسة فنية احتجاجية موجهة ضد العنف الواقع على الفلسطينيينفي المقابل، دافع كولينغز عن مشروعه بكونه ممارسة فنية احتجاجية موجهة ضد العنف الواقع على الفلسطينيين، مؤكداً في تصريحات لـ" الجزيرة الإنكليزية"، أمس الخميس، أنّ أعماله لا تتضمن أي مضمون يستهدف اليهود كجماعة دينية أو إثنية، وأنها تنتقد السياسات الإسرائيلية المرتبطة بالصهيونية وليس الهوية الدينية.
كذلك شدد على أن استخدام الرموز الحادة في أعماله يندرج ضمن تقاليد الفن السياسي الذي يعتمد على الصدمة والاستعارة لإنتاج المعنى.
وأشار كولينغز إلى أن بعض الشخصيات التي تظهر في أعماله تقدَّم في سياقات إيجابية، فيما يتم انتقاد شخصياتٍ أخرى بسبب مواقفها السياسية، معتبراً أن اختزال أعماله في بعدها الديني يبتعد عن جوهر مشروعه الفني.
كذلك يستند في دفاعه إلى معطياتٍ سابقة مرتبطة بالجدل حول معرضه في مارغيت، حين خلصت شرطة كِنت إلى عدم وجود أساسٍ جنائي يتعلق بالتحريض أو خطاب الكراهية.
في المقابل، ترى جهات داعمة لقرار الإلغاء أن حرية التعبير، رغم كونها مبدأ أساسياً في السياق الثقافي البريطاني، لا تمتد إلى ما قد يُفهم على أنه ترويج لصور نمطية أو محتويات استفزازية تحدث ضرراً عاماً، بينما يعتبر منتقدون أن ما جرى يعكس اتساع دائرة الضغط القانوني والإداري على الفضاءات الفنية ذات الطابع السياسي، خصوصاً تلك المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
ويأتي هذا الجدل في سياقٍ أوسع يشهده المشهد الثقافي البريطاني حول كيفية التعامل مع الأعمال الفنية التي تتناول النزاعات السياسية، وحدود تدخل المؤسسات الثقافية في ضبط محتواها أو إلغائه، في ظل تزايد التوتر بين مقاربتين؛ إحداهما تؤكد أولوية حماية الجمهور من المحتوى المثير للجدل، وأخرى تتمسّك بأن الفن، بطبيعته، مساحةٌ مفتوحة للنقاش حتى في أكثر القضايا حساسية.
وبين هذا وذاك، يواصل كولينغز التأكيد على عزمه عرض أعماله في فضاءاتٍ بديلة داخل بريطانيا وخارجها، معتبراً أنّ إلغاء المعرض في لندن لا يوقف مشروعه الفني بقدر ما يعمّق النقاش الذي يسعى أصلاً إلى فتحه حول العلاقة بين الفن والسياسة وحدود التعبير في المجال العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك