الأنقسنا.
حراس الجبال وشركاء المجد في السلطنة الزرقاءحين يُذكر تاريخ السودان القديم، وتحديداً تاريخ السلطنة الزرقاء، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن يُذكر شعب الأنقسنا بوصفه أحد الأعمدة الأصيلة التي أسهمت في قيام تلك الدولة واستمرارها وثرائها الاقتصادي والإنساني.
فالأنقسنا ليسوا مجرد جماعة سكنت أطراف السلطنة، بل كانوا جزءاً من عمقها الاستراتيجي وامتدادها الاجتماعي والحضاري، حتى إن كثيراً من الدراسات والروايات التاريخية تربط بينهم وبين الجذور الأفريقية للفونج الذين أسسوا مملكة سنار.
وفي جبال الأنقسنا الواقعة اليوم في النيل الأزرق، تشكلت واحدة من أهم البيئات التي رفدت السلطنة الزرقاء بالثروة والرجال والقيم الاجتماعية.
فقد كانت تلك الجبال الغنية مورداً اقتصادياً بالغ الأهمية، تمد سنار بالذهب والعسل والجلود والبغال وريش الزينة وغيرها من المنتجات التي لعبت دوراً كبيراً في تنشيط التجارة وتعزيز اقتصاد الدولة.
ولذلك لم تكن مناطق الأنقسنا هامشاً بعيداً عن مركز السلطنة، بل كانت من أهم روافدها الاقتصادية والحيوية.
ولم يكن دور الأنقسنا اقتصادياً فحسب، بل كان أيضاً دوراً سياسياً واجتماعياً وثقافياً.
فقد شكلوا جزءاً من النسيج الذي قامت عليه السلطنة الزرقاء، وأسهموا في حماية فضائها الجغرافي وتأمين طرق التجارة والتواصل بين أقاليم الدولة المختلفة.
كما أن العلاقة التاريخية بينهم وبين الفونج كانت علاقة قربى وتداخل تاريخي وثقافي وإنساني عميق، تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل والمصاهرة والتحالفات.
وقد عرفت مجتمعات الأنقسنا، منذ تلك العصور، بالحكمة والقدرة على إدارة شؤونها المحلية بروح جماعية متماسكة.
وكانت زعاماتهم الأهلية تتمتع بمكانة رفيعة واحترام كبير، ليس فقط وسط أهلهم، بل حتى لدى السلطات المركزية في سنار.
فقد أدرك سلاطين الفونج أهمية هذه المنطقة وأهلها، وعرفوا أن استقرار السلطنة يرتبط إلى حد بعيد بحسن العلاقة مع جبال الأنقسنا ورموزها الاجتماعية.
ورغم ما شهدته أواخر السلطنة الزرقاء من اضطرابات وصراعات بين المركز وبعض الأطراف، فإن ذلك لا ينفي عمق العلاقة التاريخية بين الأنقسنا والدولة السنارية، بل يؤكد حيوية تلك العلاقة وطبيعتها السياسية المتحركة.
فالأنقسنا كانوا أصحاب إرادة وكرامة، لا يقبلون التهميش أو الانتقاص من مكانتهم، ولذلك ظلت علاقتهم بالسلطة تقوم على التوازن والاحترام المتبادل أكثر من الخضوع الكامل.
كما أن تجربة الأنقسنا في تلك الحقبة تكشف جانباً مهماً من شخصية هذا الشعب؛ فهم أهل اعتزاز بالهوية والكرامة، لكنهم في الوقت نفسه أهل تعايش وانفتاح.
فقد دخل الإسلام إلى أجزاء واسعة منهم منذ عهد الفونج، وتفاعلوا مع الثقافة الإسلامية السودانية دون أن يفقدوا خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية، وهو ما يعكس قدرة نادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح.
ولعل من أهم ما يميز الأنقسنا عبر تاريخهم الطويل تلك القيم الإنسانية الرفيعة التي بقيت حاضرة حتى اليوم؛ فالسماحة عندهم ليست شعاراً، بل أسلوب حياة.
ومن عاش بينهم أو جاورهم يدرك حجم الكرم الذي يستقبلون به الضيف، وحالة التواضع والبشاشة التي تميز مجتمعهم.
فالإنسان عند الأنقسنا يُكرم لكونه إنساناً، لا يُسأل أولاً عن قبيلته أو جهته.
ولهذا ظلت مناطقهم معروفة باحتضان الغريب وإغاثة المحتاج واحترام الجار.
كما عرفوا بالشجاعة والصبر والقدرة على التماسك في أوقات المحن.
فقد واجهوا ظروفاً قاسية عبر الحقب المختلفة، من اضطرابات السلطنة المتأخرة، إلى سياسات الاستعمار، ثم سنوات التهميش والحروب الحديثة، لكنهم ظلوا محافظين على روحهم الاجتماعية وعلى توازنهم الأخلاقي والإنساني.
وفي تاريخ السودان الحديث، برزت شخصيات وطنية وسياسية من أبناء الأنقسنا كان لها حضور مؤثر في الحياة العامة السودانية، من أشهرها القائد مالك عقار إير، الذي يُعد أحد أهم القادة السياسيين والعسكريين في السودان المعاصر.
فقد لعب دوراً محورياً في مسيرة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتولى قيادة الحركة الشعبية – شمال بعد انفصال جنوب السودان، كما شغل مواقع دستورية رفيعة في الدولة السودانية، من بينها عضوية مجلس السيادة الانتقالي، وظل اسمه مرتبطاً بقضايا السلام والتوازن الوطني وإقليم النيل الأزرق.
كما يبرز اسم عالم مون بوصفه أحد كبار رموز الإدارة الأهلية ومراجع الحكمة الاجتماعية والتاريخ المحلي في المنطقة، حيث عرف بدوره في تعزيز السلم الأهلي والمحافظة على الأعراف والتقاليد التي أسهمت في استقرار مجتمع الأنقسنا وتماسكه عبر العقود.
إن الحديث عن الأنقسنا اليوم ليس مجرد استدعاء لتاريخ قبيلة عظيمة، وإنما هو استعادة لجزء مهم من الذاكرة السودانية التي حاولت بعض الخطابات الضيقة تجاهلها أو تهميشها.
فالسودان الحقيقي لا يُفهم إلا عبر معرفة شعوبه جميعاً، والاعتراف بإسهاماتها في بناء الدولة والثقافة والتاريخ.
فالأنقسنا كانوا شركاء في صناعة مجد السلطنة الزرقاء، وحراساً لجبال ظلت رمزاً للعزة والكرامة، ولا يزالون حتى اليوم نموذجاً للسوداني الأصيل الذي يجمع بين القوة والتسامح، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين.
ولذلك فإن إنصافهم تاريخياً وأدبياً ليس منّة من أحد، بل هو جزء من إنصاف السودان لنفسه وتاريخه المتنوع العظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك