" وإذا كان ثمّة حلّ عادل ودائم لهذا الصراع يوماً ما، فإنّ هذا هو الدليل الوحيد الذي يمكن للناس استخدامه لإثبات أنّه كان هناك فلسطينيون يعيشون في مكان ما".
بهذه الكلمات، علّق المسؤول البارز في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، روجر هيرن، على عملية سرّية جرت في ظروف خطيرة لإنقاذ حكاية فلسطين الحقيقية من الاندثار، أو بالأحرى من الاحتراق في جحيم التاريخ المزوّر للصراع.
العملية التي كشفتها صحيفة الغارديان البريطانية تطلّبت نحو عشرة أشهر من العمل الشاقّ من" أونروا"، بهدف إنقاذ ملايين الوثائق الأرشيفية التي تؤرخ لتجربة اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، ونقلها من مقرّيها في مدينتَي غزّة والقدّس المحتلة إلى عمّان، وسط مخاوف جدّية من مصادرتها أو إتلافها.
تذكر الصحيفة أنّ العملية انخرط فيها عشرات من موظفي" أونروا" في أربع دول على الأقلّ، وتضمّنت رحلات محفوفة بالمخاطر لإخراج الوثائق من تحت القصف، فضلاً عن نقل مظاريف غير موسومة إلى مصر، وشحن صناديق على متن طائرات عسكرية أردنية.
وبحسب تقرير الصحيفة البريطانية الذي عرضته" العربي الجديد"، يضمّ الأرشيف بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى قطاع غزّة عام 1948، إلى جانب شهادات ميلاد وزواج ووفاة تعود إلى أجيال متعاقبة، وهي وثائق قد تتيح للفلسطينيين الذين هُجّر أسلافهم تتبّع أصولهم في الداخل المحتلّ.
لم يبالغ روجر هيرن، مسؤول" أونروا" الذي أشرف على العملية، في قوله إنّ" تدمير هذه الوثائق كان سيشكّل كارثةً".
فالشاهد أنّ الرواية الصهيونية للموضوع الفلسطيني، بعد 78 عاماً على النكبة، تمدّدت وتوسّعت وهيمنت على الخطاب العربي نفسه، فما بالنا بالرأي العام العالمي الواقع في مرمى منظومات ثقافية وإعلامية وسياسية زائفة، والمستهدَف بالتنكيل والإرهاب من يمين عنصري متحالف مع الفكرة الصهيونية.
ونحن على بعد ثمانية عقود من النكبة التي مكّنت الكيان الصهيوني من احتلال فلسطين، لم يعد الخطاب الإعلامي العربي جلّه، مع استثناءاتٍ محدودة، معنياً بمعركة المصطلحات والمسمّيات الحقيقية للمشهد الراهن في فلسطين، إذ بات نادراً أنّ تسمع في وسيلة إعلام عربية ناطقة مفردة الاحتلال حين يكون الكلام عن جيش العدو الصهيوني؛ كسلاً أو استسهالاً أو خضوعاً لأكاذيب بمثابة خطايا ثقافية بزعم المهنية، صار اسمه" الجيش الإسرائيلي" عندما يكون الخبر توغّلاً في غزّة أو في جنوبي لبنان أو في ريف دمشق، أو يكون اغتيالاً أو عدواناً على إيران أو اليمن.
تساوقًا مع هذا، أو أسوأ منه، صارت الاعتداءات تسمّى" استهدافات"، وصارت الجرائم هجمات أو عمليات، حتى وصلنا إلى الأفدح، أنّ ثلاث دول عربية باتت تنهض بوظيفة الأشرطة الأمنية أو أحزمة الأمان للكيان الصهيوني، إذ تحتلّ" إسرائيل" الآن أكثر من 60% من مساحة غزّة، ومساحات إضافية كبيرة في الجنوب اللبناني، وكذا الجنوب السوري، وتتصرّف كما لو أنّ هذه حقوق أو ضرورات لازمة لتأمين الاحتلال من هجمات مجموعات مقاومة عربية تسمّيها الحكومات العربية مليشيات خارجة على القانون وتشكّل خطراً على الأمن القومي، بل وتمعن في إنتاج بيئة اجتماعية محاربة لها، ثم تجلس مع العدو على مائدة واشنطن تتقاسم، بل تتشاركه، العداء للمقاومة.
في الجنوب اللبناني، يتمدّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويدمّر قرىً ويهجّر سكّانها، ثمّ يشكو من" اعتداءات" تشنّها المسيّرات الانقضاضية للمقاومة على قواته المتمركزة في المواقع التي تركها له الجيش اللبناني، ثمّ يرسل وفده التفاوضي إلى واشنطن لبحث التصدّي لهذه" الاعتداءات" مع الوفد اللبناني السعيد بالانخراط في المفاوضات المباشرة، والذي يتطوّر خطابه المعادي لمشروع المقاومة كلّما زادت مفاوضاته مع الصهيوني عمقاً.
لا يتعلّق الأمر بلبنان وحده، بل بات مجمل النظام الرسمي العربي متصالحاً مع فكرة التعايش مع الكيان الصهيوني قوّةً وحيدةً باطشةً في الإقليم، مستكيناً للعجز أو مدّعياً إياه، متناغماً مع التصوّر الأميركي الذي بُنيت عليه الحرب العدوانية على إيران التي تدور على قاعدة أنّه ممنوع منعاً باتّاً أن تكون هناك قوّة مكافئة أو مساوية لقوّة إسرائيل، التي يجب أن تبقى مطلقةً وفق هذا التصوّر الذي يتّخذ منزلة النصّ المُقدَّس عند الرسميين العرب.
في وضع على هذا النحو من التردّي، يصبح منطقياً أن يتظاهر أكثر من ربع مليون بريطاني، وعشرات آلاف في العواصم الأوروبية الأخرى، تذكيراً بفلسطين في يوم النكبة، بينما يُمنع التظاهر في جلّ العواصم العربية في هذا اليوم، باستثناء مسيرات محدودة في تونس والمغرب والأردن.
أيُّ نكبة أكير من نظام عربي يعترف بحقّ الكيان الصهيوني في الوجود عشر مرّات، وينكر حقّ المقاومة في الوجود عشرين مرّة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك