من هنا.
من قلب الدلتا الجديدة، لا تبدو الصحراء الغربية، كما اعتدنا أن نراها خلال السفر إلى مطروح، فراغاً ممتداً أو أرضاً صامتة تنتظر المطر، فكل شىء حولك يقول إن المكان خرج من عزلته القديمة ودخل زمناً آخر، فتجد طرقاً طويلة تشق الرمال بثقة، وشبكات رى تمتد كأنها شرايين حياة، ومحطات كهرباء تقف فى الأفق، ومعدات تتحرك بين مساحات واسعة بدأت تخلع لون الصحراء، وتستبدله بدرجات الأخضر، باستخدام أجهزة رى محورى حديثة، موفرة للمياه، وتلبى احتياجات النبات بدقة محسوبة بلا «إسراف أو تفريط».
على جانبَى الطريق، تبدو الأرض كأنها تستعيد صوتها.
وسط انتشار كبير للمعدات، وأيدى عمالة قدمت من محافظة مطروح ومحافظات الدلتا والصعيد لتفتح باب رزق لما لا يقل عن 2 مليون مصرى فى مختلف مراحل المشروع، التى تمتد على مساحة 2.
2 مليون فدان، انتهى استصلاح وزراعة مليون و260 ألف فدان منها، والباقية ستدخل الخدمة بعد عام بالتمام بالكامل، فى عملية تنموية تحول الرمال إلى مساحة تستعد للزراعة، بجهود أكثر من 150 شركة قطاع خاص تتعاون مع الدولة فى المشروعات الزراعية فى الدلتا الجديدة.
وفى الأفق خطوط المياه تحمل واحدة من أكبر حكايات التنمية فى مصر الحديثة، فلا يحتاج الزائر إلى كثير من الشرح كى يدرك أنه لا يقف أمام مشروع زراعى تقليدى، بل أمام محاولة واسعة لإعادة رسم علاقة مصر بأرضها وغذائها ومستقبلها، فى خطوة تستهدف إضافة 4.
5 مليون فدان من الأراضى الزراعية لإنتاجية الدولة.
كلما تقدمت داخل المشروع اتضحت الفكرة أكثر، فالدلتا الجديدة ليست مجرد إضافة رقعة زراعية، بل مدينة إنتاج مفتوحة على الصحراء، وممر اقتصادى جديد، ونواة لعمران مختلف لا يزاحم الأرض الزراعية بل يحميها، فهنا تتجاور الزراعة مع الطرق، والمياه مع الكهرباء، والتخزين اللوجيستى مع التصنيع، فى مشهد يكشف أن ما يجرى ليس استصلاح أرض فقط، بل تأسيس نموذج تنموى كامل.
«الغنام»: مواسير مياه بطول «سور الصين العظيم».
وشبكات كهرباء بضعف المسافة بين «القاهرة ونيويورك»وفى هذه اللحظة تبدو عبارة الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذى لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، خلال استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسى، ومرافقيه، أثناء افتتاح المرحلة الثانية من المشروع أمس الأول الأحد، بأننا نحتفل بافتتاح «حلم انتزعناه من الأيام انتزاعاً»، كأنها وصف حى لما تراه العين داخل أراضٍ قاحلة، تتحول إلى مساحات خضراء تسهم فى سد الفجوة الغذائية وتحقيق الأمن الغذائى، فى إنجاز يؤكد «الغنام» أنه تحقق بفضل رؤية الرئيس فى سنوات قليلة، وهى مشروعات تحتاج الأمم لعصور طويلة لإنجازها.
وعندما انتقل المدير التنفيذى لمشروع مستقبل مصر إلى تفاصيل المشروع، أوضح أن الدلتا الجديدة ليست مشروعاً منفصلاً، بل تأتى ضمن حزمة ضخمة من مشروعات الاستصلاح التى يعمل عليها جهاز مستقبل مصر، بإجمالى يزيد على 4.
5 مليون فدان، سواء 2.
2 مليون فدان فى الدلتا الجديدة، أو 2.
3 مليون فدان فى مناطق أخرى مثل المنيا وبنى سويف واللاهون وسيناء وأسوان وغيرها، مشيراً إلى أن توجيه القيادة السياسية كان أن يتم تنفيذ مشروع يليق بمصر وبحجم التنمية الشاملة التى شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية.
بدأت الحكاية، وفق «الغنام»، من مرحلة سابقة بلغت نحو 450 ألف فدان، لكنها لم تكن سوى خطوة على طريق أوسع، فاختيار الموقع لم يكن قراراً عابراً، بل جاء، كما شدد الغنام، نتيجة تخطيط ودراسة وتكاتف مؤسسات الدولة، من الرى إلى الزراعة، ومن التصنيف الحقلى للتربة إلى شبكات الطرق والكهرباء والمياه، مؤكداً أن مشروعاً بهذا الحجم لا يولد صدفة، بل يولد من رؤية، وتخطيط، ودراسة، وتنفيذ جماعى، ليعقب الرئيس عبدالفتاح السيسى بأن ما جرى لم يكن ممكناً أن يتحقق إلا «بإيد المصريين» وبتضافر أجهزة الدولة.
وتتجلى ضخامة الدلتا الجديدة فى أرقامها قبل مشاهدها، فالحديث هنا ليس عن ترعة أو طريق أو محطة كهرباء، بل عن منظومة متكاملة تضم 12 ألف كيلومتر من الطرق، وشبكات كهرباء ضخمة، و18 محطة محولات، و121 ألف عمود كهرباء، وأكثر من 4 ملايين متر مكعب من الخرسانة.
أما شبكات المياه والمواسير والمسارات المائية، فقد استخدم الدكتور بهاء الغنام مقارنات عالمية لتقريب الصورة، مشيراً إلى أن أطوال مواسير المياه تضاهى طول سور الصين العظيم، وأن شبكات الكهرباء تمتد إلى نحو 19 ألف كيلومتر، بما يعادل المسافة من القاهرة إلى نيويورك ذهاباً وإياباً، بينما تمثل المسارات المائية أضعاف قناة بنما.
هذه الأرقام لم يقلها المدير التنفيذى لمشروع مستقبل مصر للتفاخر وحده، بل لأنها تكشف طبيعة المشروع، فالدلتا الجديدة ليست أرضاً تزرع فقط، بل فضاء اقتصادى جديد، فهى كتلة زراعية متصلة تراعى، كما أوضح الغنام، تجنب سلبيات القطاع الزراعى فى الدلتا القديمة، حيث التفتت الحيازى، والزحف العمرانى، وتداخل الكتل السكنية مع الأرض الزراعية، أما هنا فالصورة مختلفة، من خلال استخدام وسائل زراعية حديثة، وبنية تحتية منظمة، ومناطق تخزين لوجيستى، ومدن صناعية وتصديرية، ومجتمعات عمرانية جديدة، وأسواق تجارية ضخمة.
وبهذا المعنى تبدو الدلتا الجديدة وكأنها إعادة هندسة لفكرة الزراعة ذاتها، فالمشروع لا يتعامل مع الفدان باعتباره مساحة إنتاج نباتى فقط، بل باعتباره جزءاً من سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من الأرض والمياه والبذور، وتمتد إلى الحصاد والتخزين والتصنيع والتصدير، ولذلك وصف الغنام المشروع بأنه «أول نموذج تنموى متكامل ومستدام»، ونواة لمناطق حرة على غرار التجربة الصينية، بما يعنى أن الزراعة هنا ليست نشاطاً تقليدياً منعزلاً، بل محور لاقتصاد واسع.
واللافت فى حديث الدكتور بهاء الغنام أنه أعاد تعريف الأمن القومى من زاوية الغذاء، فكما كان السد العالى، فى الوجدان المصرى، عنواناً للأمان المائى، يرى أن الدلتا الجديدة تمثل أماناً غذائياً لمصر، مستنداً إلى تصريح من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بأن مصر فقدت خلال العقود الماضية أكثر من 1.
7 مليون فدان من رقعتها الزراعية، الأمر الذى جعل إضافة رقعة زراعية جديدة ضرورة لا رفاهية، ومن هنا جاءت عبارته الحاسمة: «الدلتا الجديدة هى أيضاً أمان مصر الغذائى».
مساحة الأراضى المنزرعة زادت من 9.
1 مليون فدان فى 2017 لتصل إلى 11 مليون فدان فى 2025ويرى الغنام أن القطاع الزراعى فى مصر هو «القطاع القائد والواعد»، مستعرضاً مؤشرات قال إنها تؤكد هذا الاتجاه؛ فمنذ عام 2017 وحتى 2025، زادت الرقعة الزراعية من نحو 9.
1 مليون فدان إلى 11 مليون فدان، كما تضاعفت كميات الحاصلات الزراعية بالمليون طن، وتضاعفت قيمة الصادرات الزراعية الطازجة، وكذلك قيمة الصادرات الغذائية المصنَّعة.
ولا يتوقف أثر المشروع عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى سوق العمل؛ فالزراعة هنا تتحول إلى منصة لتوليد الوظائف، سواء فى التشغيل المباشر داخل الأرض، أو فى الصناعات المرتبطة بها، أو فى النقل والتخزين والخدمات اللوجيستية، أو فى المدن الصناعية والتصديرية التى تنمو على أطراف المشروع.
هنا، فى الدلتا الجديدة، لا تُنبت الأرض قمحاً ومحاصيل استراتيجية مثل البنجر والذرة والفواكه فقط، بل تُنبت ثقة.
تُنبت قدرة على مواجهة الغد، لتقول مصر لمواطنيها وللعالم أجمع إن الصحراء، مهما طال صمتها، يمكن أن تتكلم بلغة الزرع، وإن الوطن الذى يملك إرادة البناء يستطيع أن يحوِّل الرمال إلى حياة، والحلم إلى خريطة، والخريطة إلى وطن جديد منتج، وقادر على أن يطعم أبناءه ويمد يده إلى المستقبل بثبات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك