التقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، في العام ونصف العام اللذيْن انقضيا، فعالياتٍ مجتمعيةً عديدة، من مشاغل متنوّعة، وبعضها من الجاليات السورية في الخارج، غير أنه لم يستقبل في القصر الرئاسي جمعاً من أهل الدراما والسينما والمسرح والغناء.
وربما السبب تدافع الأولويات، أو أن أحداً من الفنانين في هذه الألوان لم يُبادر إلى محاولة ترتيب لقاءٍ كهذا، وإنْ في البال أنه اجتمع إلى نقيب الفنانين مازن الناطور الذي خرج بانطباعاتٍ عنه بالغة الإيجابية في دعمه الفنانين السوريين.
وقد تذهب ظنونُ من قد يظنّون أن ثمة خشيةً من أن يُشابَه لقاءٌ مثل هذا بالمشاهد إياها، والتي كان من" التقليدي" المألوف فيها أن يظهر بشّار الأسد فيها مستقبلا فنانين وفنانات، ويتضاحك معهم، ويسمعون منه عظاته عن دور الفن والدراما في تنوير المجتمع، وعن المؤامرة الكونية على سورية وأحبطها السوريون بوعيهم وصمودهم.
ولا أحد يمكنه الزعم إن ثمّة موقفاً ما لدى الشرع من الفنون، وهو الذي يعرف إن سورية بلدٌ عريقٌ في الإنتاجات والإبداعات البصرية والمشهدية، وأضاف نجومُه وفنانوه وكتابه الكثير، الجميل والمتألق، في فضاء الثقافة العربية على هذا الصعيد.
ولمّا سمعنا من دريد لحام بُعيد إسقاط نظام الأسد إن عناصر من هيئة تحرير الشام أوقفوه في سيارته، في دمشق، لتحيّته والتقاط صور لهم معه، دلّ هذا على أن ليس ثمة مواقف مسبقة لدى من تسلّموا السلطة في البلاد تجاه الفنون، وكان الظنّ أنهم كذلك، طالما أنهم ينتسبون إلى سلفيّةٍ إسلاميةٍ جهادية.
التقى الرئيس الشرع الأسبوع الماضي نجم الدراما السوري جمال سليمان في القصر الجمهوري.
وتحدّثا في ملفاتٍ مرتبطةٍ بالمصالح الوطنية السورية، وفي مقدّمها" خطط إعادة البناء والتنمية خلال المرحلة المقبلة".
واستمع الفنان من الرئيس عن" طموحاتٍ تنمويةٍ كبيرة ستُحدث نقلةً كبيرة في سوريا وفي حياة السوريين".
وأفاد سليمان، في تدوينةٍ، بأن اللقاء شكّل بالنسبة له، بصفته" مواطناً سورياً"، فرصةً للحديث عن أهمية العدالة الانتقالية بالتوازي مع تحقيق مصالحة وطنية شاملة، مؤكّداً أنه لمس من الشرع" اهتماماً مُخلصاَ" بهذا الملف.
والبادي من هذا الإيضاح المقتضب أن حديث الرئيس والفنان تركّز على أحوال سورية وراهنها، وليس على شؤون الدراما السورية وصناعتها وأهلها، ما قد يُجيز الظنّ أن الإتيان على هذه الموضوعة يحتاج ترتيباً آخر، واجتماعاً أوسع يشارك فيه عدّة فنانين وفنانات ومشتغلين في هذا القطاع.
ويجيز، قبل هذا وبعده، القول إن ثمّة رغبة تتبدّى لدى الرئاسة في الاستماع إلى اجتهاداتٍ متنوّعةٍ في الشأن العام من حساسياتٍ مختلفة، ومن شخصياتٍ ليست بالضرورة ممن يناصرون السلطة في المطلق.
وليس خافياً أن جمال سليمان، وإنْ يتّصف بحرصِه الشديد على دبلوماسيةٍ عالية في الحديث في أي أمر، سيّما في الراهن السوري، أعلن مواقف وتصريحات لا تعكس رضاه التام عن أداء السلطة.
ومن هنا، لا يمكن إلا امتداح هذا اللقاء، والمأمولُ أن يُتابَع بلقاءاتٍ مثيلةٍ مع مثقفين وفنّانين وجامعيين وتربويين ورياضيين سوريين، لهم تصوّراتهم ومنظوراتُهم في أمور بلدهم وإدارتها وأشواق أهله ومكابداتهم وتطلعاتهم.
قال الرئيس أحمد الشرع في كلمته، في حفل افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب في فبراير/ شباط الماضي، " إن إعادة بناء سورية لا تنفصل عن إعادة الاعتبار للعلم والثقافة".
ولا حاجة لأن يتعالم واحدُنا فيقول البديهيَّ المعلوم عن موقع فنون المسرح والسينما والدراما في المشهد العام في سورية، عندما ينشط عملٌ ناهضٌ ومثابرٌ ودؤوبٌ من أجل إعادة بناء سورية، العملية التي لا حدود لتفاصيلها واستحقاقاتها ومتطلباتها.
وفي الأول والأخير، بُشرى طيبة في لقاء الرئيس الشرع بالنجم القدير جمال سليمان الذي كان في ضفة شعبه إبّان الثورة، وعارض التسلح والأسلمة والاحتراب، وكان وحدوياً وداعيةً إلى كل توافق ممكن.
وهو اليوم اسمٌ يراهَن عليه في أن يكون أكثر وضوحاً في إشهار ما يراه لصالح سورية وناسها، وإنْ خصّه رئيس البلاد بلقاءٍ لم يخوضا فيه في شؤون الفنون وصنّاعها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك