الجزيرة نت - مقال في الغارديان: واشنطن وطهران تعتقدان أنهما تنتصران لكنهما تخسران قناة التليفزيون العربي - الكاميرا العربي ترصد الأضرار التي أصابت منطقة صناعية جنوبي لبنان جراء استهدافات إسرائيلية BBC عربي - ترامب: لقاء بوتين وزيلينسكي سيكون "أمراً رائعاً"، وموسكو ترحّب بمحادثات مباشرة التلفزيون العربي - فيديو جديد يكشف حجم الأضرار على متن "جيرالد فورد" قناة الشرق للأخبار - هل يختلف عن غيره؟.. التسلسل التنفيذي والسياسي للاتفاق بين إسرائيل ولبنان العربي الجديد - تركيا تهندس علاقاتها الطاقية لما بعد هرمز القدس العربي - ضربة جديدة لترامب.. مجلس النواب يقر تقديم مساعدات لأوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا قناة الجزيرة مباشر - شاهد | صور تظهر لحظة استهداف مسيرة مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي سكاي نيوز عربية - ترامب: فكرة اجتماع بوتين وزيلينسكي أمر رائع الجزيرة نت - بعد عقوبة تركية.. مورينيو يلجأ إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
عامة

مبادرة السفير نور الدين ساتي: أناقة النظرية و رمادية الواقع

سودانايل الإلكترونية
3

في لحظة سودانية يختلط فيها صوت المدافع بانهيار الدولة، ويصبح سؤال “كيف نحافظ على السودان موحدًا؟ ” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، جاءت مبادرة السفير نور الدين ساتي تحت عنوان: «من أجل نظام جديد للحوكمة في...

ملخص مرصد
أطلقت مبادرة للسفير السوداني نور الدين ساتي إطارًا دستوريًا وسياسيًا جديدًا تحت عنوان «من أجل نظام جديد للحوكمة في السودان»، بهدف منع تقسيم البلاد بعد انهيارها بفعل الحرب. تتناول المبادرة فشل الدولة السودانية في إدارة التنوع وتطرح فيدرالية واسعة الصلاحيات، لكنها تواجه انتقادات بسبب غياب الحوار المجتمعي وغياب خطة تنفيذ واضحة. تأتي المبادرة في ظل انهيار سيادي شامل يشمل صراع عسكري واقتصادي وانهيار مؤسساتي.
  • مبادرة السفير نور الدين ساتي تهدف لإنقاذ السودان من التقسيم عبر إطار دستوري جديد
  • المبادرة تعترف بفشل الدولة السودانية في إدارة التنوع وتطرح فيدرالية واسعة الصلاحيات
  • المبادرة تواجه انتقادات بسبب غياب الحوار المجتمعي وغياب خطة تنفيذ واضحة
من: السفير نور الدين ساتي أين: السودان

في لحظة سودانية يختلط فيها صوت المدافع بانهيار الدولة، ويصبح سؤال “كيف نحافظ على السودان موحدًا؟ ” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، جاءت مبادرة السفير نور الدين ساتي تحت عنوان: «من أجل نظام جديد للحوكمة في السودان»، محاولةً لتقديم إطار دستوري وسياسي جديد يعالج جذور الأزمة التاريخية للدولة السودانية، ويمنع انزلاق البلاد نحو التقسيم الكامل.

يمكن تناول مبادرة السفير نور الدين ساتي بوصفها واحدة من أكثر المحاولات الفكرية جدية لإعادة طرح سؤال الدولة السودانية بعد الانهيار الكبير الذي أحدثته الحرب، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود التفكير النخبوي السوداني حين يصطدم بواقع سياسي وأمني واجتماعي تجاوز مرحلة “إصلاح الدولة” إلى مرحلة “صراع البقاء الوطني”ولا أحد يستطيع أن يشكك في وطنية الرجل أو في نبل الدافع الذي يقف خلف المبادرة.

السفير نورالدين ساتي ينتمي إلى جيل من الدبلوماسيين السودانيين الذين ظلوا يؤمنون بإمكانية إنقاذ السودان عبر العقلانية السياسية والحوار، كما أن استقالته من منصبه عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 منحته قدرًا من المصداقية الأخلاقية باعتباره رفض الانحراف عن المسار الديمقراطي.

غير أن احترام النوايا لا يمنع من إخضاع المبادرات السياسية للنقد الصارم، خصوصًا حين تُطرح باعتبارها مشروعًا لإنقاذ دولة تتفكك أمام أعين الجميع.

تكمن قوة المبادرة في بنيتها النظرية.

فهي تعترف لأول مرة بصورة مباشرة بأن الدولة السودانية بعد الاستقلال فشلت في إدارة التنوع، وأن مركزية السلطة والثروة كانت أحد الأسباب الجوهرية للحروب والانقسامات.

كما أنها تحاول تقديم صيغة فيدرالية واسعة الصلاحيات تعيد توزيع السلطة والموارد بين الأقاليم المختلفة، مع التأكيد على الدولة المدنية والمواطنة المتساوية ورفض التوظيف السياسي للدين.

كل ذلك يبدو متماسكًا على المستوى الفكري والدستوري.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل الوثيقة جيدة نظريًا؟بل: هل توجد في السودان اليوم دولة قادرة أصلًا على تنفيذ هذا التصور؟فالمبادرة تفترض وجود حد أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي يسمح بإدارة حوار دستوري واسع، بينما السودان يعيش عمليًا حالة انهيار سيادي شامل: جيشان متحاربان، سلطتان متنازعتان، اقتصاد منهار، ملايين النازحين، مدن مدمرة، وتصاعد غير مسبوق للخطاب الجهوي والإثني.

وفي مثل هذا الواقع، تبدو المبادرة أقرب إلى مشروع “إعادة هندسة دولة مستقرة” لا مشروع إنقاذ عاجل لدولة تتفكك بالفعل.

المشكلة الأعمق في المبادرة ليست فقط صعوبة تطبيقها، بل الطريقة التي أُنتجت بها.

فالوثيقة تبدو، رغم أهميتها، اجتهادًا نخبويًا فرديًا جرى تداوله داخل دوائر ضيقة، لا ثمرة لحوار واسع مع القوى السياسية والمجتمعية والنقابية ولجان المقاومة والإدارات الأهلية والقوى المتأثرة بالحرب نفسها.

وهذه ليست مشكلة تخص نور الدين ساتي وحده، بل هي جزء من أزمة تاريخية ظلت تطارد النخب السودانية منذ الاستقلال:إنتاج رؤى كبرى داخل غرف مغلقة، ثم تقديمها لاحقًا باعتبارها وصفات وطنية جاهزة، دون المرور بعملية نقاش اجتماعي حقيقي تؤسس للشرعية الشعبية.

لقد عرف السودان عشرات المشروعات الفكرية اللامعة: من مشروع “السودان الجديد”، إلى الفيدرالية، إلى الديمقراطية التوافقية، إلى مواثيق الانتقال المختلفة.

لكن معظمها ظل معلقًا في فضاء النخبة، لأنه لم يتحول إلى عقد اجتماعي حقيقي تتبناه الجماهير والقوى الحية في المجتمع.

ولهذا فإن أي مشروع لإنقاذ السودان اليوم لا يمكن أن يولد من فوق، ولا أن يُصاغ فقط داخل مكاتب الدبلوماسيين والخبراء، مهما كانت خبرتهم أو وطنيتهم، بل يجب أن يكون نتيجة حوار تاريخي واسع يعيد السياسة إلى المجتمع بعد عقود من المصادرة العسكرية والنخبوية.

في ظاهر الوثيقة تبدو المبادرة مشروعًا لتأسيس “سودان جديد”، لكن في جوهرها ربما تعيد إنتاج الدولة القديمة بلغة جديدة.

فالوثيقة لا تطرح مراجعة جذرية لطبيعة السلطة نفسها، ولا تقدم تصورًا واضحًا لكيفية تفكيك البنية العسكرية والاقتصادية التي سيطرت على الدولة لعقود.

كما أنها تتحدث عن “جيش قومي مهني واحد” دون أن تشرح كيف يمكن الوصول إلى ذلك في ظل الحرب الحالية، وتشابك المصالح الإقليمية، واقتصاد الذهب والسلاح، ووجود قوى مسلحة باتت تمتلك هويات سياسية واجتماعية مستقلة عن الدولة.

كذلك فإن الحديث عن “أحزاب قومية غير جهوية” يبدو أقرب إلى التمنيات السياسية منه إلى قراءة واقعية للمشهد السوداني الحالي، حيث تتآكل الأحزاب التقليدية نفسها، بينما تصعد الهويات الجهوية والإثنية تحت ضغط الحرب والخوف وانعدام الثقة.

إن الأزمة السودانية لم تعد فقط أزمة دستور أو شكل حكم، بل أزمة انهيار كامل لفكرة الوطنية السودانية نفسها.

ورغم أن الوثيقة تشير إلى المحاسبة والعدالة، فإنها لا تمنح هذا الملف المكانة المركزية التي يستحقها.

فلا يمكن بناء نظام جديد للحوكمة بينما ملايين السودانيين يحملون ذاكرة ممتلئة بالمجازر والانتهاكات والتهجير.

ولا يمكن الحديث عن “توافق وطني” دون معالجة عميقة لمسألة العدالة الانتقالية، والاعتراف بالضحايا، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحرب.

إن أي مشروع سياسي يتجاوز هذه الحقيقة سيبدو وكأنه محاولة لإدارة الأزمة لا حلها.

أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السودانية اليوم هو الاعتقاد بأن الأزمة يمكن حلها عبر إعادة ترتيب مؤسسات الدولة فقط.

فالسودان لا يواجه مجرد خلل إداري أو دستوري، بل يواجه انهيارًا تاريخيًا في معنى الدولة نفسها:انهيار الثقة، وانهيار الهوية المشتركة، وانهيار فكرة العدالة، وانهيار العلاقة بين المركز والهامش.

ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد “نظام جديد للحوكمة”، بل عقد وطني جديد يعيد تعريف السودان ذاته:من نحن؟ وكيف نحكم أنفسنا؟ وكيف نعيد بناء وطن لم يعد كثير من أبنائه يشعرون بالانتماء إليه؟تبقى مبادرة نور الدين ساتي محاولة جادة تستحق النقاش، لأنها تفتح باب التفكير في مستقبل السودان بدل الاستسلام الكامل لمنطق الحرب.

لكنها في الوقت نفسه تعكس حدود المقاربة النخبوية التي تعتقد أن الأزمات التاريخية يمكن احتواؤها عبر وثائق دستورية أنيقة، بينما الواقع يتحرك بسرعة أكبر من قدرة النخب على الفهم والتأثير.

لقد تجاوز السودان مرحلة “إصلاح الدولة” إلى مرحلة “إنقاذ فكرة الوطن” نفسها.

وهذه المهمة لن تنجزها النخب وحدها، ولا الدبلوماسيون وحدهم، ولا العسكريون وحدهم، بل مشروع وطني شامل يولد من قلب المجتمع السوداني بكل آلامه وتناقضاته وتطلعاته.

نقلا من صفحة الأستاذ مهدي داود الخليفة على الفيس بوك.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك