عندما أُعلنت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، قُدمت باعتبارها مشروعًا عربيًا وحدويًا يقوم على ثلاثة أسس رئيسية: الديمقراطية، والجمهورية، والشراكة المتكافئة بين الشمال والجنوب.
غير أن مسار الأحداث خلال العقود التالية كشف ـ بحسب كثير من الجنوبيين ـ أن هذه الأسس تعرضت للتفكيك تدريجيًا، حتى تحولت الوحدة من مشروع سياسي طوعي إلى أزمة صراع مستمرة.
في بدايات الوحدة، دخل الجنوب في شراكة سياسية مع نظام صنعاء على أمل بناء دولة حديثة تقوم على التعددية السياسية وتداول السلطة.
لكن الخلافات بين شريكي الوحدة ظهرت سريعًا، خصوصًا بعد انتخابات 1993، حين تصاعدت حدة الصراع بين حزب المؤتمر الشعبي العام وحلفائه من جهة، والحزب الاشتراكي الجنوبي من جهة أخرى.
ومع تعثر اتفاقات التهدئة، اندلعت حرب صيف 1994 التي شكلت نقطة التحول الأخطر في تاريخ الوحدة.
انتهت الحرب بسيطرة قوات صنعاء على الجنوب بالقوة العسكرية، لتبدأ ـ وفق الرواية الجنوبية ـ مرحلة إقصاء واسعة طالت القيادات العسكرية والمدنية الجنوبية، إضافة إلى تسريح آلاف الموظفين والاستيلاء على الأراضي والثروات.
ومنذ ذلك الحين، بدأت فكرة “الشراكة” التي قامت عليها الوحدة بالتلاشي، وتحولت الدولة إلى سلطة مركزية تهيمن عليها قوى النفوذ القبلية والعسكرية والحزبية القادمة من الشمال.
أما الأساس الثاني، وهو “الديمقراطية”، فقد تعرض بدوره لانتكاسات متتالية.
فبدل بناء دولة مؤسسات، دخلت اليمن في دوامة من الصراعات السياسية والفساد وضعف مؤسسات الدولة، وصولًا إلى سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، وهو الحدث الذي اعتبره كثيرون إعلانًا عمليًا لانهيار النظام الجمهوري نفسه.
وفي عام 2015، ومع اجتياح الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح للجنوب، دخلت القضية الجنوبية مرحلة جديدة.
فرغم نجاح القوات الجنوبية بدعم من التحالف العربي في تحرير عدن وعدد من المحافظات، إلا أن الحرب خلفت واقعًا معقدًا، حيث يرى قطاع واسع من الجنوبيين أن الجنوب تعرض بعدها لحرب استنزاف طويلة عبر الأزمات الاقتصادية والخدمية، خصوصًا في الكهرباء والمياه والعملة والرواتب، فيما بات يُعرف شعبيًا بـ”حرب الخدمات”.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول ما يُسمى بـ”المسار السعودي” الجديد، والذي يهدف ـ بحسب داعميه ـ إلى إعادة توحيد القوى اليمنية تحت إطار سياسي شامل، بينما ترى فيه قوى جنوبية محاولة لإعادة فرض الوحدة بصيغة جديدة، رغم المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب منذ 2015.
ويقول منتقدو هذا المسار إن المشكلة لم تعد في شكل الوحدة فقط، بل في غياب الأسس التي قامت عليها أصلًا.
فالديمقراطية انهارت بسيطرة الحوثيين على الشمال، والجمهورية تآكلت تحت سلطة الجماعات المسلحة، أما الشراكة فقد انتهت ـ وفق هذا الطرح ـ منذ حرب 1994.
وبينما تتمسك قوى شمالية بخيار “الوحدة اليمنية” باعتباره قضية وطنية، يعتقد كثير من الجنوبيين أن أي مشروع سياسي جديد لا يمكن أن ينجح ما لم يعترف أولًا بحقائق الماضي، ويعالج جذور الأزمة، ويستند إلى إرادة سياسية حرة بعيدًا عن فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية أو الضغوط الإقليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك