دون كيخوتة دي لا منتشا Don Quijote de la Mancha أو دون كيشوت بلكنة فرنسية، بطل من ورق يبارز طواحين الريح.
هكذا صنعه في مطلع القرن السابع عشر الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربنتس Miguel de Cervantes جاعلا منه استعارة تمثيلية لبطل يعتقد أنّ طواحين الريح عمالقة وأشرار ينبغي مقاتلتها بأسنّة الرماح، ونحن العقلاء، نقول عنه إنّه يخوض معارك واهمة، وهو المجنون في رأينا، العاقل في مرآة ذاته، يخوض معارك حقيقية.
استدعى بعض الفلاسفة هذه الحكاية إلى دائرة الجدل الفلسفي، ويعنينا في هذا المقال حديث ميشيل فوكو أكثر، لأنّه قريب إلى مشغلنا اللغوي الدائر حول العلاقة بين اللغة والمرجع، أو بين اللغة والأشياء؛ أو بعبارة استعارية إلى النظر إلى المسألة وكأنّها معركة بين طواحين الكلام والريح التي تحركها لتثور عليها.
لقد فتحت هذه الرواية بابا مهمّا على العلاقة بين اللغة والكون، فدون كيخوتة، الذي يقرأ حكايات عن الفروسية القديمة، ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن طواحين الريح عمالقة أشرار، فيتوجه إليها لمحاربتها.
وأنت تقرأ الحدث بعين لساني، ستقف على مفترق طريقين في علاقة اللغة بالأشياء، أو بالمرجع: إمّا أن ترى الأمر كما يراه دون كيخوتة: أنّ طواحين الريح هي فعلا عماليق وأشرار؛ وإمّا أن ترى الأمر على «حقيقته»: أنّ طواحين الريح طواحينُ فعليّة تحرّكها ريح حقيقية وأنّ الأشرار تحركهم أرواحهم الشريرة، وأنّ المعركة تدور على غير حلبتها، وأنّ الأهواء اللغوية تدور على غير عجلاتها الحقيقية.
الرؤية الأولى، الدونكيخوتية، يسكنها تمثّل واهم يجعل طواحين الريح أشرارا وهذه في اللغة لعبة مألوفة، بل هي أصلية: أن تسمّي الأشياء بتسميات لا تحاكي مرجعها في الغالب، فإن نسمّي النار بهذا الاسم، والرمح بما يتسمى به في العربية يعني أنّك تقطع العلاقة بين الأسماء والنار، بما هي لهب حارق والرمح بما هو سهم خارق، فلا شيء في الاسمين يفيد هيأتهما أو فعلهما في الخارج.
هذا هو البعد الرمزي في اللغة: إنّه لا توجد علاقة مشابهة بين الدوال والمدلولات، بل هي علاقة اعتباطية كما يقول دي سوسير.
من الممكن أن أسمي الأشرار (طواحين الريح) أو العكس وهذا تتيحه لنا الاستعارات؛ لكنّ عقليتي لا تجعلني أقاتلها.
وهذه العقليّة نفسها هي التي تجعلني حين أنطق بكلمة (كلب) لا أخشى منها أن تعضنّي، مثلما قد يفعل الكلب الفعليّ؛ ولا أتخيّل أنّي سأسمع النّباح لحظة ألفظ كلمة (كلب).
غير أنّ ما فعله دون كيخوتة أنّه رأى (أو سَمّى) الطواحين أشرارا عماليقَ ولم يكتف بذلك الحدّ، لقد تعامل معها على أنّها ليست مسميات رامزة لمرجعيات أخرى، بل عاملها على أساس أنّها هي المرجعيات الفعلية.
فالعلاقة بين الدال والمدلول لديه ليست علاقة اعتباطية، أو رمزية، بل هي علاقة مماثلة ومطابقة.
في هذا السياق، استثمر الفيلسوف ميشيل فوكو هذا العمل الأدبي ليعرض أطروحته حول التحوّل الذي أصاب العلاقة بين الكلمات والأشياء في الفكر الغربي.
في قراءته، يرى فوكو أن عصر النهضة كان لا يزال يفترض وجود نوع من الانسجام بين اللغة والكون، حيث كانت الكلمات تُفهم بوصفها علامات شفافة تشير مباشرة إلى الأشياء.
فالعلاقة بينهما قائمة على المشابهة؛ غير أن لحظة دون كيخوتة مثلت بداية اهتزاز هذا اليقين: إذ تبدأ اللغة بالانفصال عن مرجعها، وتصبح العلامات مستقلة نسبياً عن الواقع الذي كانت تدّعي تمثيله.
فدون كيخوتة لا يخطئ فقط في تفسير الواقع، بل يكشف أن ما نعدّه واقعاً هو نفسه مشكَّل عبر اللغة والتمثلات الثقافية.
ومن هنا، تصبح مغامرته رمزاً لانزياح أعمق: انزياح العلاقة بين الدال والمدلول، بين الكلمة والشيء.
إننا إزاء انتقال إبستيمولوجي مهم: من عالم تُفترض فيه مطابقة اللغة للأشياء، إلى عالم تصبح فيه هذه المطابقة موضع شك.
تنبجس لحظة فكرية وتكتشف بداية الحداثة بوصفها وعياً بتصدّع العلاقة بين اللغة والواقع.
في الفكر القديم، كانت الكلمات تُعتبر ذات صلة بالعالم بعلاقة تشابه وانسجام؛ أي أنّ اللغة قادرة على كشف حقيقة الأشياء.
غير أنّ دون كيخوتة وهو يعيش في عالم الكتب والفروسية ويؤمن بأن ما قرأه فيها حقيقة يمكن العثور عليها في الواقع، يحدث الخطـأ بحدوث البون الشاسع بين الطواحين والعماليق والنساء العاديات والأميرات، وعموما بين ما يقدمه الخيال وما يعاش على سطح الواقع: الوهم أن يزول الفاصل بين الكلمات وأشيائها في المرجع: هنا مأساة اللغة في أنّها لم تعد تضمن ما يتصوّره المرء أنّه حقيقة.
الحقيقة أنّ عرض العلاقة بين اللغة والأشياء عرضا يقسّمها إلى حقب فيه تسامح، على حدّ عبارة الفارابي، فربط الموقف الطبيعي بعصر النهضة فيه ظلم له، أي كأنّ هذا العصر جميعا كان يفهم اللغة على أنّها تقيم علاقة طبيعية بالعالم، وكأنّ الأشياء تحيل مباشرة إلى الكون.
التصوّر الطبيعي ولنقل التصور القائم على المشابهة أو المحاكاة والتصور المواضعي، أو العقلي أو الرمزي، هما تصوّران موجودان في كلّ عصور ما قبل التفكير اللساني العلمي، وهو تصوّر اعتمده الفلاسفة أو المنشغلون بأصل اللغات، لبيان أصل اللغة البشرية أهي طبيعية، أم هي مواضعة عقلية؟ واستقر الأمر على أنّ المحاكيات في كل اللغات لا يمكن أن تحجب لقلتها ولعدم خضوع المحاكاة فيها إلى مبادئ في المشابهة دقيقة، الطابع المواضعاتي والاصطلاحي للغة، وأنّ العلاقة بين الدال فيها والمدلول، قائمة على اللامشابهة أو الاعتباطية.
لا يمكن أن نعتبر لحظة دون كيخوتة بداية تحوّل عميق: لم تعد فيه الكلمات تضمن علاقتها المباشرة بالأشياء، بل بدأت تستقلّ تدريجياً.
هذا المعنى من الناحية اللسانية غير دقيق لأنّه يوحي بأنّنا إزاء لحظة مفصلية في علاقة اللغة بالأشياء، عليها سيتأسس شرخ التصالح بين عناصر اللغة ووحداتها، وعناصر الكون وانتظامه.
ومن العسف أن نقول إن دون كيخوتة يمثل تحولا في بنية المعرفة، التي تكون مداخلها لغوية من معرفة سلسة وشفافة مفاتيح خرائطها البسيطة تقود بسهولة إلى كنز الواقع وأسرار المعرفة بحقائقه، إلى معرفة تهتز فيه هذه الانسيابية في المسار الذاهب بكل ثقة من اللغة إلى الكون، بادّعاء أنّ هذا التطابق لم يعد مضمونا.
وأنّ اللغة باتت تنتج أوهاما أكثر من أن تكشف عن حقائق.
ما تفيدنا به اللسانيات هو التحكم بمبادئها اللغوية في عصرها، وتحاكم أخطاء الماضي أنّ اللغة كانت في تصوّر المنشغلين بها، مناطقة أو فلاسفة أو نحويين أو غيرهم، علامات عبرت عنها كل طائفة بشكل وأنّ من وظيفة العلامة أن تمثّل لشيء غائب تمثيلا يغني عن وجوده بذكره وتمثيله، من غير استحضاره وتمثيلية العلامة تكسبها، من تاريخها القديم إلى اليوم، براءة من الوقوع في وهم المطابقة بين الممثل (العلامة) وما تمثله (المرجع/ الشيء).
والعلاقة لم تكن يوما علاقة مطابقة وتماه، ثم حدثت القطيعة وساد الانفصال؛ بل إنّ في الأمر تقديما للكون بشكل لا انعكاس فيه ولا محاكاة (بالمعنى التطابقي التام) بل فيه إعادة تشكيل له بوسائل يتداخل فيها النفسي والاجتماعي، وتصنع الملكة اللغوية الأصوات التي حين تعاد ويتواضع عليها الناس، يتواضعون على شيء رمزي من أجل استقرار الرمز وليس من أجل ثبات المرموز إليه.
خلاصة الأمر، أنّ دون كيخوتة لم يكن أسير الوهم، ولا هو لقمة سائغة تطمع في المشابهة بين الطواحين، وما تحيل عليه، بل هو في عملية ترميز كبرى تدور فيها طواحين الكلام على نفسها، فلا مرجع خارج اللغة نفسها: لا الطواحين موجودة إن لم تكن لها أسماؤها، ولا الأشرار موجودون إن لم توجدهم اللغة.
تدور الطواحين في الذهن وتعالج بريح التمثيل ما ندركه ويظل الكلام يخرج ويتصوّر ويبنى ويشاهد إلى أن تتوقف طواحين الدماغ وتنتهي الحركة إلى سكون أبدي.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك