نفق الضحك في مجموعة «الجنرال في محطة فكتوريا».
تحوي المجموعة إحدى عشرة قصة، تتسم جميعها بالبنية التقليدية للقص الأفقي حيث يركز المصراتي في مجملها على الانفراد بالشخصية الأساسية وعصرها في مونولوج الراوي لرسم ملامحها بدقة.
تجري أحداث قصتين: «الجنرال في محطة فكتوريا» و«المظاهرة» في مدن أوروبية.
بينما قصص «سلطان بي ـ أخلاق انتخابية ـ اقتراح حضرة النائب ـ حكاية جاسوسة ـ شاكوش شنة قلعة ـ العملة من وراء البحر ـ شيخ محلة ـ بديعة ومصفف الحرف» تجري أحداثها في ليبيا.
وقصة «عمك في باريس» الوحيدة التي تجمع بين المكانين، حيث تنتقل من قرية في أطراف الصحراء الليبية قرب واحة من الواحات إلى باريس ثم قرية فرنسية نائية.
أما زمنها فيمثل الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى ما بعد مرحلة الاستقلال، وهي مرحلة تشكُّلِ الكيان الليبي وتأسيس الدولة.
يلتقط المصراتي شخصياته من كوميديا الحياة الاجتماعية، وينحاز ضدها من البداية عبر وصفه الدقيق لها، منطلقاً في الغالب من تكوينها الجسدي المضحك وموغلاً من ثم في تكوينها الثقافي والأخلاقي، ما يجعلها صلصالاً طيعاً يشكله السارد كما يريد، مفضياً في نهاية كل قصة إلى مرسله الأخلاقي الذي يشير بسبابته الساخرة إلى نماذج تجسد أنساقاً أخلاقية مستشرية ضمن أنماط تحاول أن تضع نفسها في الطليعة، محمولة على قيم يبتذلها القاص بحدة: الادعاء، الجهل، الانتهازية، عبادة الطوطم، الالتواء القهري إلى الماضي، وهي نماذج تتوزع بين العمل السياسي والاجتماعي، وغالباً ما نجد الفنان في مواجهة هذه النماذج ولكن بخجل، وأحيانا ضحية لها.
في قصة «الجنرال في محطة فكتوريا» يطرح القاص كاتباً ليبياً سائحاً يلتقي في لندن بفتاة بوهيمية متعاطفة مع الشرق وذات انشغال فني، في مشرب بمحطة فكتوريا، وهناك يلتقي مصادفة بعجوز جنرال سابق من مخلفات الحرب العالمية، مضطرب نفسياً ومتجمد في لحظة زمنية أثناء فترة الحرب، ومتمسك برتبته العسكرية بشكل هستيري، فيدخل في حوار عدمي معه، ليكتشف في النهاية أنه عم الفتاة التي دبرت اللقاء عمداً والتي ستعده بأن ترسل له نسخة من كتابه ذكريات جنرال الذي يعكف على كتابته.
يسرد المصراتي هذه الحادثة بأسلوبه الخطي السلس والمباشر، مجسداً فحوى هذه الشخصية المحورية بإرثها التاريخي المرتبط بزمن الحرب.
شخصية متأزمة تتماهى مع الرتبة القديمة، وتحنط زمنها التاريخي في تلك الفترة.
وتبرز هنا المعالجة الساخرة للقاص بمستوياتها المتداخلة والمركبة، عبر الرسم التفصيلي لأبعاد شخصية الجنرال الذي ما زال يتنفس بأمجاد الماضي وهو ثمل في مشرب مزدحم، فالجنرال شخصية ساخرة تتحرك داخل سياق سردي ساخر، يؤكده السارد مراراً بدس العبارات الطريفة داخل الأحداث المتوالية، التي تتضمن عبر رسائل السخرية المواربة خطاباً أخلاقياً تجاه مسألة الحرب والاحتلال، وتجاه مسألة الآخر ضمن نقاش غير متصل يحكمه المكان والزمان.
الجنرال الذي أستأنس المكوث في الذاكرة يحاول أن يتلفظ بأمكنة غابرة من بلد السائح الليبي، بينما الفتاة الفنانة المحايدة لا تنفك تهز رأسها مع ابتسامة خفيفة بها شيء من السخرية، وهو الموقف الذي سيلائم القارئ طيلة قراءته للقصة.
في قصة «المظاهرة» مواطن ليبي يخرج للفسحة في شوارع أحد بلدان أوروبا الواقعة على شاطئ البحر المتوسط، فيجد نفسه وسط مظاهرة ضد القواعد الصاروخية للأحلاف الأجنبية، فيندمج في هذا الطقس المثير، مسترجعاً من ذاكرته صوراً غابرة لمظاهرات شارك فيها في بلده على الضفة الأخرى للمتوسط.
في هذه القصة يمكن القبض على طاقة السخرية عندما تكون استعارة كلية، فهذا التقصي المتوالد الذي يصف بحماس جمال العصيان، يضمر في داخله وعبر الولع بسرد التفاصيل سخرية مكبوتة من مجتمعات جاءت منها الشخصية المحورية لا تجيد توظيف الزحام، مقارناً في عديد الأمكنة بين ما يحدث هنا وما يحدث في بلده.
ومن قلب الاندماج داخل هذه الجموع المتراصة كجسد واحد، وبعين قانصة يستمر الراوي المتماهي مع الشخصية في إطلاق تعليقاته الساخرة وسط هذا الحشد الجاد «لأن سفارة بلاده بها سفير وجهه كالقنفود»، «لا يريد لطعة على جوازه وإن كان حضرة السفير يستحق لطعة على قفاه»، «لماذا هذا الصنف من البشر وأصحاب المهنة ـ يقصد الشرطة ـ غالباً أو دائماً أقفيتهم غليظة ملظلظة سمينة ومترهلة»، «سقط الحذاء الملعون قبل أن تسقط الحكومة المطالبون بإسقاطها».
مثل هذه التعليقات التي تحمل روح المصراتي الساخرة نجدها مبثوثة داخل قصصه كلها، وعبرها ينحاز إلى الجمال في مواجهة كل قبح من شأنه أن يهدد الحرية أو القيم الإنسانية التي طالما دافع عنها في كتاباته وخطبه المباشرة.
في قصة «عمك في باريس» يسافر مصباح بعد أن دبر ثمن التذكرة بصعوبة من واحته إلى باريس للبحث عن عمه شريف الذي رحل مع ديغول بعد أن نال إعجابه أثناء خدمته له في معسكره بفزان، وانقطعت رسائله التي أوحت لعائلته أنه يعيش في بحبوحة ثرياً في فرنسا، ويتعرف مصباح على مزيان الماروكي الذي يتعاطف معه ويقوده في رحلة بحث طويلة عن عمه، ليجده في قرية فرنسية نائية شيخاً معدماً يقوم على حظيرة خنازير.
يلجأ المصراتي هنا إلى لعبة المقارنة الحضارية بين الجنوب والشمال كأسلوب مفتوح للسخرية والإضحاك طالما تناولته المسارح والأعمال السينمائية والدرامية العربية، ويسرد هذه الأحداث بطريقته المعتادة والسهلة، وبشغله المضني على التفاصيل التاريخية والوصفية التي تهيئ المتلقي من البداية للنهاية المتوقعة.
لا تحمل هذه القصة صراعاً له أبعاده الدرامية، ولا تتوخى أي نوع من الخطاب الأخلاقي إلا عبر صوت هامس يدين مبدأ الاغتراب وترك الأرض والجذور، لكنه من خلال لعبة المقارنة الفكهة التي تقود العمل يسرب القاص مستوىً آخر من معالجة الهوة الحضارية التي تجعل ما تفرزه الحضارة الغربية من مشاهد مترفة هي في مجتمعات التخلف ضرورة، ويتبدى هذا التساوق في شفقة مصباح على الفتاة التي تمشي حافية بينما هي تتبع نوعاً من الموضة، وفي تساؤله بشأن الذين يأكلون في مطعم على الشموع: «آش هذا.
ما عندهم ضو! » وغير ذلك من المشاهدات، ومن تدخلات الراوي، التي تتلمس تلك المسافة في اللاوعي، وتطرح مسألة الهوية والآخر في الوعي، وهو خطاب مزدوج يقف وراء ارتباك الشخصية وقبولها الواسع للسخرية.
في قصة «أخلاق انتخابية» لوحة كاريكاتير ضخمة، تُرسم بعناية ودقة لإبراز تكوين الشخصية المتسلقة من خلال الجسد والسلالة وطرق التفكير والكلام، حيث تتغير في يوم قائظ أخلاق عبدالملك الأصرم كلياً، بما يتناسب مع موسم الانتخابات وارتداء الأقنعة، ويضعه في سياق هُزئي منذ البداية عبر تتبع جولاته المكوكية في منطقته الانتخابية، وتتناسب حرارة المكان التي تزيد باطراد مع حرارة المرشح الذي يعاني من قصر القامة والترهل والمنبت المجهول، وتروج الأساطير حول ازدياد القيظ في المنطقة إلى درجة تَوقُع انفجارٍ قريب للشمس، فيخاف المرشح أن يحدث هذا قبل نجاحه في الانتخابات، وعبر هذا التداعي لا تنفك القصة تتهكم على الانتخابات كمبدأ حضاري يتمسخر في مجتمع متخلف، ويتحول إلى مهزلة بدائية، خصوصاً وأن الشخصية المضادة والتي لا يعنيها هذا الأمر في شيء يتركها المرشح في نهاية القصة في أرض جرداء قاحلة، لتكتفي بالبصاق على سيارة الأصرم المنطلقة بسرعة.
إطلاق المصراتي للصفات النابية على شخصياته السلبية التي يتخذ منها موقفاً مسبقاً، بقدر ما يضعف من تقنيات القص، الذي من المفترض أن يبرز حيادية المؤلف، بقدر ما يعكس نهجه الأخلاقي الأصيل في تحديد مواقفه الأولية والثابتة، وهو منحى يتلاءم مع شخصية المؤلف في الحياة، وصراحته الجارحة، وحس التهكم العالي الذي به ينزاح إلى استعاراته المكثفة، حيث النكتة مجاز مرسل لموقف جاد تنقطع علاقاته السببية لتفضي مباشرة إلى نوع من الهجاء المر للذات أو شر البلية ما يُضحك.
إن دائرة الصمت التي يضع فيها المصراتي نهاية قصته «أخلاق انتخابية» سيخرج منها في قصة «اقتراح حضرة النائب» باقتباس شخصية النائب الفطحل الذي وصل إلى البرلمان والذي يخرج من دائرة الصمت في هذه المرة و«يرفع إصبعه الذي بجوار الإصبع الذي يبصم به والإصبع الآخر الذي يستعمله في زمارة المقرونة في غناء الأعراس والموالد»، ولعبة الأصابع التي يتوقف عندها تحضر بكل دلالاتها من إدارة اللعبة في مسرح للعرائس، إلا أن الإصبع التي تبصم يمكنها أن ترتفع في قرار سياسي يحدد مصير مجتمع بأكمله.
تشكل هذه القصة استطراداً لقصة «أخلاق انتخابية» عبر وضع الشخصية هذه المرة تحت مجهر المصراتي في بؤرة من السخرية المكثفة، ومحاصرتها داخل عدسة مكبرة لتسليط غدة ضحك القارئ عليها والتشفي منها، ومن ثم الوصول بهذه الشخصية إلى مآلها الحتمي، نكتة المصراتي التي يصلها عبر إصبع الشخصية في نهاية القصة، حيث مداخلة النائب على حديث لعالم نفسي يتحدث عن جريمة الانتحار المتفشية وتأثيرها على المجتمع، وإذ يطالب النائب بإنزال حكم الإعدام بالمنتحر، يسرب القاص حكمه المتماهي مع الشخصية التي «جلست وساد القاعة صمت رهيب ولو كان أبو حنيفة موجوداً لمد رجليه».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك