أفضى تشديد الرقابة الحدودية والتعاون الأمني المستمر في دول شمال أفريقيا، وهو ما يُعرف بسياسة إخراج الحدود الأوروبية، إلى بروز تحولين لافتين في ظاهرة الهجرة غير النظامية صوب إسبانيا، الأول هرب المهاجرين نحو" الجنوب العميق"، والثاني انتعاش ظاهرة" الهجرة ذاتية التنظيم"، أو ما يمكن تسميته بـ" قوارب بلا مهربين".
وكشفت معطيات حديثة لمركز دولي متخصص في الهجرة أن الرحلات البحرية للمهاجرين غير النظاميين عبر المحيط الأطلسي باتجاه جزر الكناري، أرخبيل إسباني قبالة السواحل الأفريقية، تنطلق بصورة أساسية من ثلاث دول محورية، وهي المغرب في الصدارة، ثم موريتانيا والسنغال.
وفي وقت تُثمن فيه حكومة جزر الكناري جهود المغرب لتقليص تدفقات الهجرة غير النظامية عبر مسار المحيط الأطلسي، فإنها لا تخفي انتقاداتها لاستمرار توافد المهاجرين السريين من دول الساحل الأفريقي، مطالبة بتعزيز الدعم الأوروبي والمحلي.
أفاد مركز الهجرة المختلطة، وهو مركز معرفي عالمي يهتم بجمع البيانات وإجراء البحوث وتحليل السياسات المتعلقة بظاهرة" الهجرة المختلطة"، ضمن دراسة بعنوان" تهريب المهاجرين والأخطار في الرحلات إلى جزر الكناري: أدلة من مسار المحيط الأطلسي"، بأن الرحلات البحرية عبر المحيط الأطلسي باتجاه جزر الكناري تنطلق بصورة أساسية من ثلاث دول محورية.
ويأتي المغرب في الصدارة بنسبة 41 في المئة من نقاط انطلاق المهاجرين غير النظاميين، وموريتانيا في المرتبة الثانية بنسبة 30 في المئة من عمليات الانطلاق صوب جزر الكناري، ثم السنغال بنسبة 24 في المئة من نقاط انطلاق" رحلات الموت" البحرية.
وتبعاً للمصدر، تسببت المراقبة الأمنية المشددة على المسارات المعروفة للهجرة غير النظامية بحراً صوب إسبانيا، في توجه المهاجرين وشبكات التهريب نحو نقاط انطلاق أكثر عمقاً في الجنوب، مثل غامبيا وغينيا بيساو.
وأورد التقرير أن واحداً من كل ثلاثة مهاجرين بات ينطلق من دول تقع جنوب موريتانيا، وأن هذا التحول يفرض على المهاجرين قضاء فترات أطول بكثير في عرض المحيط الأطلسي، مما يضاعف الأخطار اللوجيستية وأخطار الغرق والتعرض للظروف المناخية القاسية.
ولجأ قرابة نصف الذين فكروا في الهجرة غير النظامية إلى هذا المسار البحري الخطر بسبب العوائق المالية الكبيرة للحصول على التأشيرات أو بعد تعرضهم لرفض طلبات التأشيرة.
وعلى رغم استمرار مسار غرب البحر الأبيض المتوسط المؤدي إلى البر الرئيس لإسبانيا في جذب المهاجرين غير النظاميين، فإن البيانات الجديدة تشير إلى عودة وتيرة التدفقات صوب المسار الأطلسي، أي جزر الكناري، للارتفاع مجدداً مع بداية عام 2026، نتيجة مرونة شبكات التهريب وتغييرها المستمر للمسارات ونقاط الانطلاق.
أعادت شبكات الهجرة السرية توجيه بوصلتها نحو المحيط الأطلسي وجزر الكناري الإسبانية، في سياق إقليمي معقد يتداخل فيه العامل الاقتصادي بالأمني، وتتشابك داخله حسابات شبكات التهريب مع أحلام آلاف الشباب الباحثين عن منفذ للهرب من البطالة والهشاشة الاجتماعية.
ولم تعد" قوارب الموت" تنطلق فقط من السواحل الشمالية المغربية القريبة من إسبانيا، كما كان الأمر في العقدين الماضيين، بل انتقلت تدرجاً إلى امتداد الشريط الأطلسي المغربي، من طنجة والعرائش وأصيلة شمالاً، وصولاً إلى سواحل أكادير وطانطان والداخلة جنوباً، في تحول فرضته الرقابة الأمنية المشددة من خلال اعتماد تقنيات الرصد البحري والطائرات المسيرة على مستوى مضيق جبل طارق، مقابل اتساع المسافة البحرية نحو جزر الكناري وصعوبة مراقبة كل المنافذ الأطلسية المفتوحة.
وأصبحت سواحل مدن مغربية مثل العرائش والقنيطرة وآسفي والصويرة وأكادير محطات رئيسة لانطلاق القوارب المطاطية والزوارق الخشبية، بينما برزت مدينة الداخلة خلال الأعوام الأخيرة باعتبارها واحدة من أخطر نقاط العبور نحو الكناري بسبب قربها النسبي من الأرخبيل الإسباني مقارنة ببقية السواحل المغربية.
وفي هذا السياق، سجل محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان بالمغرب ومتخصص في ملف الهجرة السرية، تصاعد وتيرة الهجرة غير النظامية من السواحل المغربية نحو جزر الكناري باعتبارها هجرة مختلطة تضم شباباً مغاربة ومهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء.
وعزا بن عيسى هذا التصاعد في المسار الأطلسي صوب جزر الكناري إلى تحوّل جوهري في خرائط الهجرة بعد تشديد المراقبة في شمال المغرب، خصوصاً على مستوى البحر الأبيض المتوسط والحدود المحيطة بمدينتي سبتة ومليلية، مما دفع شبكات التهريب والمهاجرين إلى استعمال الطريق الأطلسي على رغم خطورته.
وأفاد المتخصص عينه بأن المهاجرين غير النظاميين المغاربة لجأوا إلى هذه المسارات الخطرة بسبب" انسداد الأفق الاقتصادي والبطالة والغلاء وضعف الثقة في إمكانات الحراك الاجتماعي داخل البلد"، بينما تبدو دوافع مهاجري جنوب الصحراء أعمق، من قبيل النزاعات والفقر والهشاشة المناخية وانعدام الأمن في بلدان الساحل وغرب أفريقيا.
وذهب بن عيسى إلى أن المغرب، في هذا المسار الأطلسي، أصبح بلد عبور وبلد انطلاق في الوقت ذاته بالنسبة إلى المهاجرين الأفارقة غير النظاميين، مشدداً على أن" تنامي هذا الطريق يبرز فشل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية وحدها، لأنه كلما أُغلق مسار ظهر مسار أكثر خطراً"، وفق تعبيره.
بينما يعتمد نحو 40 في المئة من المهاجرين على المهربين من خلال شبكات الهجرة غير النظامية، برز تحول لافت يتمثل في كون 16 في المئة من المهاجرين، بحسب معطيات الدراسة السابقة، لم يستعينوا بمهربين على الإطلاق، بل قاموا بتنظيم رحلاتهم بصورة ذاتية.
وينحدر غالب هؤلاء المهاجرين غير النظاميين، القادمين من مختلف دول أفريقيا، بما فيها المغرب، والباحثين عن مسار صوب جزر الكناري، من مجتمعات الصيد البحري المحلية، باعتبارهم يمتلكون معرفة بالقوارب والملاحة البحرية وأحوال الطقس وتقلبات الموج، وغير ذلك مما يفيدهم في سلك المسار البحري صوب جزر الخالدات.
ويقول في هذا الصدد، إبراهيم الطوخي، الباحث في دينامية الهجرة السرية، إن اللافت في تطورات مسارات المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وحتى من المغاربة، هو التوجه نحو عدم الاعتماد على المهربين وشبكات التهريب التي توفر اللوجيستيك مقابل مبالغ مالية متفق عليها.
واستطرد الباحث شارحاً بأن مجموعة من الأصدقاء، أو من ذوي المهن البسيطة والهامشية التي تقتات على قطاع الصيد البحري مثلاً، صاروا يمتلكون زمام أمورهم من خلال تنظيم أنفسهم والتشارك في كلفة" رحلة الموت" للعبور بحراً نحو جزر الكناري.
ومضى الباحث قائلاً، إن ما يميز هذه المجموعات الذاتية التنظيم من المهاجرين السريين أنهم يرتبطون بعلاقات مهنية أو علاقات جوار أو صداقة، ويسهمون بمبالغ متقاربة فيما بينهم من أجل اقتناء قارب خشبي كبير ولوازمه والمؤونة التي يحتاجون إليها لاجتياز المسار بأقل الأضرار.
ولفت المصدر إلى أنه في هذه الحالة يستغني هؤلاء المهاجرون السريون عن" المهرب الرئيس"، كذلك يتفادون مطالبه المالية المرتفعة، غير أنهم، في حال وقعوا بين أيدي السلطات الإسبانية في جزر الكناري، يتعرضون للاعتقال والتحقيق لمعرفة صاحب القارب، مع إمكانية الزج بهم في السجن بتهمة الاتجار بالبشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك