الحزب الشيوعي السوداني.
من مدرسة التنوير الوطني إلى عزلة ما بعد الثورةظل الحزب الشيوعي السوداني واحداً من أكثر الظواهر السياسية والفكرية تأثيراً في التاريخ السوداني الحديث، ليس فقط بوصفه تنظيماً أيديولوجياً، وإنما باعتباره مدرسة سياسية وثقافية وفكرية أسهمت بعمق في تشكيل الوعي الوطني السوداني منذ أربعينيات القرن الماضي.
فهذا الحزب، على الرغم من محدودية حجمه الانتخابي في كثير من المراحل، استطاع أن يمارس تأثيراً يفوق وزنه العددي، مستنداً إلى نوعية كوادره، وصلابة تنظيمه، وارتباطه المباشر بقضايا الناس، وخصوصاً العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين.
لقد كان الحزب الشيوعي السوداني، في لحظة من اللحظات، أشبه بـ”أكاديمية سياسية عليا” تخرّج فيها معظم الفاعلين في الحياة العامة السودانية، حتى من خصومه الأيديولوجيين.
ولم يكن من قبيل المجاملة السياسية أن يعترف حسن الترابي نفسه بأن الشيوعيين كانوا أصحاب مدرسة سياسية وتنظيمية متقدمة استفاد منها الجميع، بمن فيهم الإسلاميون.
غير أن المفارقة الكبرى التي فجّرت دهشة قطاعات واسعة من السودانيين، بمن فيهم كثير من المتعاطفين تاريخياً مع الحزب، تمثلت في التحولات التي أعقبت نجاح ثورة ديسمبر، حين بدا الحزب وكأنه يهدم بيديه ذلك الإرث الضخم الذي بناه عبر عقود طويلة من النضال الوطني.
حزب وطني الجذور لا مجرد فرع أيديولوجيمن الأخطاء الشائعة اختزال الحزب الشيوعي السوداني في كونه مجرد امتداد محلي للحركة الشيوعية العالمية.
فالواقع أن الحزب، منذ نشأته، تميّز بخصوصية سودانية واضحة جعلته أكثر التصاقاً بالواقع المحلي من كثير من الأحزاب العقائدية الأخرى.
لقد ساهم الحزب بفاعلية في معركة الاستقلال الوطني، وكان جزءاً أصيلاً من الحركة المناهضة للاستعمار، كما ضم في صفوفه نخبة استثنائية من المثقفين والمفكرين والنقابيين.
وقد بلغت القيادة الفكرية داخله مستوى رفيعاً مع شخصيات بحجم عبد الخالق محجوب ومحمد إبراهيم نقد، اللذين لم يكونا مجرد قادة حزبيين، بل مفكرين اشتبكوا مع أسئلة السودان المعقدة: الهوية، والديمقراطية، والتنمية، والتعدد الثقافي، والعلاقة بين الدين والسياسة.
ولعل من أهم ما ميّز الحزب أنه لم يتعامل مع الماركسية باعتبارها نصوصاً مقدسة، وإنما بوصفها “مرشداً للتحليل”، شأنها شأن ما راكمته الإنسانية من نظريات وتجارب.
ولهذا السبب تحديداً استطاع الحزب أن يتجاوز الانهيار الكاسح الذي أصاب معظم الأحزاب الشيوعية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بينما انهارت أحزاب أخرى كانت أكثر ارتباطاً بالنموذج السوفيتي الجامد.
فالحزب السوداني لم يكن يعيش داخل “النص الماركسي”، بقدر ما كان يعيش داخل المجتمع السوداني نفسه؛ داخل النقابات، والأحياء، والجامعات، ومواقع الإنتاج، والصراع الاجتماعي الحقيقي.
من مراجعة الانقلابات إلى الإيمان بالديمقراطيةشكلت تجربة العلاقة مع انقلاب مايو، ثم المشاركة المرتبطة بمحاولة انقلاب هاشم العطا، لحظة مفصلية في تاريخ الحزب.
فقد دفع الحزب ثمناً باهظاً لتلك المرحلة، خصوصاً بعد الإعدامات التي طالت قياداته، وعلى رأسهم عبد الخالق محجوب.
لكن القيمة الحقيقية للحزب ظهرت في قدرته على ممارسة نقد ذاتي عميق للتجربة.
إذ خلص، بعد مراجعات مؤلمة، إلى التخلي النهائي عن الوسائل الانقلابية للوصول إلى السلطة، واتجه نحو العمل الجماهيري والديمقراطي، مركزاً على النقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والتحالفات السياسية الواسعة.
ومنذ ذلك الوقت، بل قبله، أصبح الحزب جزءاً رئيسياً من كل جبهات مقاومة الديكتاتوريات في السودان، وأسهم بفاعلية في انتفاضة أكتوبر، وانتفاضة أبريل، ثم لاحقاً في الحراك الطويل الذي انتهى بثورة ديسمبر المجيدة.
وقد اكتسب الحزب، عبر هذه المسيرة، احتراماً واسعاً حتى وسط خصومه، لأنه بدا حزباً قادراً على التعلم من أخطائه، والانحياز للديمقراطية والعمل الجماهيري السلمي.
ما الذي حدث بعد ثورة ديسمبر؟هنا يبدأ السؤال الأكثر إرباكاً في التجربة السياسية السودانية الحديثة.
فبعد نجاح ثورة ديسمبر، كان متوقعاً أن يلعب الحزب دور “العقل السياسي” داخل المعسكر المدني الديمقراطي، مستفيداً من خبرته الطويلة، وكوادره المنظمة، وتاريخه في مقاومة الاستبداد.
لكن الذي حدث كان العكس تقريباً.
فالحزب بدأ تدريجياً في إدارة ظهره لحلفائه داخل قوى الحرية والتغيير، ثم انسحب منها، ورفع خطاباً يسارياً مغلقاً اتسم بنبرة عالية من النقاء الأيديولوجي، وكأن كل القوى الأخرى قد أصبحت جزءاً من الأزمة لا شركاء في معركة الانتقال الديمقراطي.
ومع الوقت، تحولت لغة الحزب من لغة التحالف الوطني الواسع إلى لغة العزلة السياسية.
بل إن كثيراً من مواقفه العملية أفضت ـ موضوعياً ـ إلى إضعاف الجبهة المدنية، وإرباك المشهد الديمقراطي، وفتح المجال أمام قوى الثورة المضادة لإعادة تنظيم صفوفها.
أسباب التحول… بين الأيديولوجيا والصدمة التاريخيةهذا التحول لا يمكن تفسيره بسبب واحد، وإنما هو نتاج عدة عوامل متراكبة:أولاً: أزمة اليسار العالمي وفقدان اليقين الفكري؛رغم تجاوز الحزب لانهيار المعسكر الاشتراكي تنظيمياً، إلا أن اليسار عالمياً دخل منذ التسعينيات في أزمة عميقة تتعلق بفقدان “المشروع التاريخي الكبير”.
ومع غياب البديل النظري الواضح، أصبحت قطاعات من اليسار تميل إلى الانغلاق العقائدي والتشدد النظري كتعويض نفسي عن تراجع النفوذ التاريخي.
وقد انعكس هذا جزئياً على الحزب، خصوصاً بين بعض الأجيال التي بدأت ترى في التسويات السياسية نوعاً من “التنازل الطبقي”، لا ضرورة وطنية تفرضها تعقيدات الواقع السوداني.
ثانياً: الخوف من اختطاف الثورة؛شعر الحزب، مثل قوى عديدة، أن الثورة تتعرض لمحاولات احتواء من المؤسسة العسكرية والقوى التقليدية والإقليمية.
لكن الحزب ذهب بعيداً في هذا الاستنتاج، حتى أصبح يشكك في معظم التحالفات المدنية نفسها، الأمر الذي قاده إلى العزلة بدلاً من قيادة معركة الإصلاح من الداخل.
ثالثاً: هيمنة العقل الاحتجاجي على العقل السياسي؛ظل الحزب، عبر تاريخه، بارعاً في المعارضة والمقاومة الجماهيرية، لكنه واجه صعوبة أكبر في إدارة تعقيدات الانتقال السياسي وبناء التسويات المرحلية.
فالانتقال الديمقراطي بطبيعته ليس فعلاً ثورياً خالصاً، بل عملية مركبة تقوم على التوازنات، والتنازلات، وإدارة التناقضات.
وهنا بدا الحزب أحياناً أسير خطاب ثوري مثالي لا يملك أدوات عملية لإدارة الدولة والتحالفات.
رابعاً: صعود النزعة الطهرانية السياسية؛دخل الحزب، في مرحلة ما بعد الثورة، في حالة من “الطهرانية السياسية” التي قسمت الفاعلين إلى ثوريين خالصين وخونة أو متساهلين.
وهذه النزعة، رغم جاذبيتها العاطفية، تقود غالباً إلى تفكيك الجبهات المدنية وإضعاف القوى الديمقراطية.
نتائج هذا التحول على الحياة السياسية السودانيةلقد ترتب على هذا المسار عدد من النتائج الخطيرة:إضعاف المعسكر المدني الديمقراطي في لحظة تاريخية كانت تتطلب أوسع وحدة ممكنة.
فقدان الحزب لجزء معتبر من صورته التاريخية كقوة وطنية جامعة.
اتساع الفجوة بينه وبين قطاعات من الشباب والقوى الحديثة التي كانت ترى فيه مدرسة للتنوير السياسي.
منح قوى الثورة المضادة مساحة أكبر للمناورة مستفيدة من انقسامات المدنيين.
تراجع الدور الفكري للحزب لصالح خطاب تعبوي حاد يفتقر أحياناً إلى المرونة السياسية التي عُرف بها تاريخياً.
والأخطر من ذلك أن الحزب، وهو الذي كان يوماً مدرسة في قراءة الواقع السوداني، بدا وكأنه أصبح أقل قدرة على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية الجديدة التي أفرزتها الثورة والحرب معاً.
بين الإرث التاريخي وإمكانية المراجعةومع ذلك، فإن الحديث عن أزمة الحزب الشيوعي السوداني لا ينبغي أن يتحول إلى شماتة سياسية أو محاولة لمحو تاريخه.
فالأحزاب الكبيرة لا تُقاس بلحظة تعثر، وإنما بحجم ما قدمته للأوطان.
لقد ساهم الحزب مساهمة حقيقية في تحديث الحياة السياسية السودانية، وترسيخ العمل النقابي، وتطوير الفكر الديمقراطي، ومقاومة الديكتاتوريات، وتخريج أجيال من السياسيين والمثقفين.
لكن الأحزاب التي صنعت التاريخ مطالبة أيضاً بأن تراجع نفسها حين تتغير الشروط التاريخية.
فالقوة الحقيقية لأي تيار سياسي لا تكمن في صلابة شعاراته، وإنما في قدرته على التفاعل الخلاق مع الواقع، دون التفريط في المبادئ أو الانتحار بالعزلة.
ولعل السؤال الذي يواجه الحزب اليوم ليس: كيف يستعيد نفوذه التنظيمي؟بل: كيف يستعيد روحه الوطنية الجامعة التي جعلت منه، لعقود طويلة، أحد أهم أعمدة الوعي السياسي السوداني؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك