إيلاف من لندن: يحمل الإنسان المعاصر في جيناته أثراً باقياً من إنسان نياندرتال، أقرب السلالات البشرية المنقرضة إلى الإنسان الحديث، والذي اختفى قبل نحو 40 ألف عام.
والسؤال الذي يثير الفضول العلمي اليوم: كم تبلغ نسبة هذا الإرث الجيني لدى سكان المنطقة العربية، مقارنة بسكان أوروبا وآسيا وبقية العالم؟وبحسب تقرير نشرته RT، فإن إنسان نياندرتال سكن أجزاء من أوروبا وآسيا منذ مئات آلاف السنين، بينما تشير أقدم بقاياه الأحفورية المعروفة إلى وجوده في أوروبا منذ ما بين 500 ألف و600 ألف عام.
وكان إنسان نياندرتال يتمتع، وفق الدراسات، ببنية جسدية قوية وقامة طويلة نسبياً وعضلات وهيكل عظمي متين.
كما تشير دراسات جينية إلى أن بعض أفراده كانوا على الأرجح من ذوي البشرة الفاتحة والشعر الأحمر، استناداً إلى جين MC1R المرتبط بلون الجلد والشعر.
لقاء قديم بين نوعين بشريينتقول الرواية العلمية إن اللقاء بين الإنسان العاقل، الذي ننتمي إليه جميعاً، وإنسان نياندرتال حدث بعد خروج أسلاف الإنسان الحديث من أفريقيا نحو الشرق الأوسط وأوروبا.
وهناك، التقى الإنسان العاقل بإنسان نياندرتال الذي كان يعيش في مناطق واسعة من أوروبا وغرب آسيا، من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، إلى القوقاز والقرم وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
ولا تزال طبيعة العلاقة بين النوعين موضع نقاش بين العلماء.
فبعضهم يرجّح أن فترات الاحتكاك شهدت صراعات ومناوشات، بينما يرى آخرون أنها تضمنت تفاعلاً أوسع، انتهى إلى تزاوج محدود ترك أثره في جينات البشر المعاصرين.
وقد شكّل فك شفرة جينوم إنسان نياندرتال، المرتبط بأبحاث سفانتي بابو وفريق معهد ماكس بلانك، نقطة تحول في فهم هذا الإرث.
فقد أظهرت الدراسات الأولى للجينوم أن سكان المناطق خارج أفريقيا يحملون عادة ما بين 1 و4 في المئة من الحمض النووي الموروث من نياندرتال.
النسبة لدى العرب وسكان الشرق الأوسطبالنسبة لسكان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ومنهم السكان العرب، تشير الدراسات الحالية إلى أن نسبة الحمض النووي الموروث من نياندرتال تقع عموماً ضمن النطاق المعروف لدى معظم سكان المناطق خارج أفريقيا جنوب الصحراء.
أي أن النسبة تدور، في المجمل، بين 1 و4 في المئة، مع متوسطات قريبة من 2 في المئة لدى كثير من سكان أوراسيا، وإن كانت تختلف بين جماعة وأخرى وفرد وآخر.
وتشير دراسة عن التاريخ الجيني للشرق الأوسط إلى أن سكان المنطقة يحملون قدراً محدوداً من الحمض النووي النياندرتالي الخاص بالمنطقة، وأن معظم هذا الإرث مشترك مع بقية سكان أوراسيا.
وتوضح دراسات أخرى أن بعض المجموعات العربية قد تحمل نسباً أدنى قليلاً من الأوروبيين وشرق الآسيويين، وهو ما يُربط بعوامل مثل الاختلاط القديم مع سلالات أوراسية قاعدية لم تختلط بنياندرتال، إضافة إلى اختلاطات أفريقية لاحقة قللت النسبة الإجمالية.
ومع ذلك، يبقى الاستنتاج العام واضحاً: إرث نياندرتال موجود في جينات سكان المنطقة العربية، وإن بنسب متفاوتة، تعكس تاريخاً طويلاً من الهجرات والاختلاط البشري عبر آلاف السنين.
شرق آسيا يحمل نسبة أعلى قليلاًلا تتوزع جينات نياندرتال بالتساوي بين سكان العالم.
فبعض الدراسات تشير إلى أن سكان شرق آسيا يحملون نسبة أعلى قليلاً من الأوروبيين.
وتقدّر أبحاث أن الحمض النووي النياندرتالي يشكل غالباً بين 1.
5 و2 في المئة لدى معظم سكان المناطق خارج أفريقيا، بينما قد ترتفع النسبة لدى سكان شرق آسيا إلى نحو 2.
3 إلى 2.
6 في المئة في بعض التقديرات.
وقد وجدت دراسة منشورة في المجلة الأميركية للأنثروبولوجيا الفيزيائية أن شرق الآسيويين يحملون مستويات أعلى من الإرث النياندرتالي مقارنة بالأوروبيين.
وتشمل الشعوب التي عُثر لديها على هذا الإرث الإيطاليين والإسبان والبريطانيين والأسكتلنديين والفنلنديين والصينيين واليابانيين، وكذلك السكان الأصليين في أستراليا وغينيا الجديدة، وإن كانت الأخيرة تحمل أيضاً إرثاً جينياً مهماً من دينيسوفا، وهي سلالة بشرية قديمة أخرى.
كان يُعتقد سابقاً أن سكان أفريقيا جنوب الصحراء لا يحملون حمضاً نووياً من نياندرتال، لأن الاختلاط الأساسي بين الإنسان العاقل ونياندرتال حدث بعد الخروج من أفريقيا.
لكن دراسات أحدث أظهرت وجود آثار صغيرة من هذا الإرث في بعض السكان الأفارقة، غالباً نتيجة هجرات عكسية لاحقة من أوراسيا إلى أفريقيا.
وتُقدّر هذه الآثار بنسب أقل بكثير من سكان خارج أفريقيا، وقد تصل في المتوسط إلى نحو 0.
5 في المئة في بعض المجموعات.
ولهذا، فإن الفارق الأساسي ليس بين “من يملك” و“من لا يملك” إرث نياندرتال، بل بين نسب متفاوتة تشكلت عبر طبقات طويلة من الهجرة والتزاوج والاختلاط.
لا تعني نسبة 1 أو 2 في المئة أن الإنسان المعاصر “نياندرتالي” بالمعنى الشائع أو الكاريكاتوري.
إنها بقايا جينية صغيرة، لكنها مهمة علمياً لأنها تكشف قصة التقاء قديم بين أنواع بشرية مختلفة.
وقد ترتبط بعض الجينات الموروثة من نياندرتال بصفات مناعية أو جلدية أو استجابات بيولوجية معينة، لكن أثرها يختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن اختزال الشعوب أو الأفراد في هذه النسب.
الأهم أن هذا الإرث يذكّرنا بأن تاريخ الإنسان لم يكن خطاً نقياً مستقيماً، بل شبكة من الهجرات واللقاءات والاختلاطات.
وفي جينات العرب، كما في جينات الأوروبيين والآسيويين، لا يزال جزء صغير من إنسان قديم يهمس من زمن الكهوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك