ينظر تاريخ الموسيقى عادة إلى الملحن النمسوي جوزيف هايدن (1732 - 1809)، على أنه واحد من كبار مبدعي السيمفونيات في المرحلة التي كان فيها هذا الفن يشكل التحدي الأكبر في وجه الفن الأوبرالي ويستعد للتحول الذي سيحدثه موتزارت، في الفنين معاً، فتطغى مكانته على الجميع رغم أنه وكما نعرف، لم يعش طويلاً.
المهم أن تاريخ الموسيقى حفظ لهايدن مكانتين أساسيتين في تاريخه، مكانته كمؤلف لعدد لا يستهان به من السيمفونيات التي لا يفوت البعض مقارنتها بإنتاج بيتهوفن، صاحب السيمفونيات الأشهر في تاريخ الموسيقى، ولكن من ناحية أخرى، مكانته في عالم التقارب بين الإبداع الفني وأصحاب الثروات الضخمة التي من دونها كان من الصعب على أحلام فنية كثيرة أن تتحقق.
وللتدليل على هذا، كثيراً ما تذكر علاقة هايدن بالأمير الهنغاري استرهازي، ومع ذلك قد يكون من المفيد هنا تعديل الصورة بعض الشيء، وفي مجمل أبعادها.
وفي المقام الأول، للتحدث عن هايدن أيضاً، بوصفه صاحب عدد لا بأس به من الأوبرات والأعمال المسرحية الغنائية الأخرى، في إبداع ربما كان هو في خلفية شعبيته وجماهيرية أعماله، مقابل نخبويته التي صنعتها سيمفونياته، وفي المقام الثاني، من ناحية أن معظم الإنفاق الذي أنفقه الأمير استرهازي على فن صديقه هايدن، لم يطاول سيمفونياته بقدر ما طاول أعماله الأوبرالية التي كان معظمها يقدم في قصر الأمير وعلى نفقته ويحظى بإعجاب هذا الأخير قبل أن يتحقق له أي إعجاب آخر.
ومن هنا، من المؤكد أن مراجعتنا للعدد الأكبر من أوبرات هايدن وأعماله الأخرى المشابهة لها، ستكشف لنا أن عروضها الأولى كانت غالباً، في واحد من قصور هذا الأمير.
وينطبق هذا أكثر ما ينطبق على تلك الأوبرا المعنونة" عالم القمر" التي يعدها مؤرخو حياة هايدن من أجمل أعماله في هذا المضمار، على رغم أنها كادت تكون منسية إلى حد ما طوال حقبة من الزمن فصلت بين ظهورها الأول وأيامنا هذه، فإن ذكرت كان ذلك بنسبتها إلى مؤلف الحكاية التي اقتبست عنها، الإيطالي كارلو غولدوني، بأكثر من نسبتها إلى هايدن.
ونعرف أن هذا الأمر يعتبر نوعاً من الغرابة في عالم الأوبرا، لكننا نعرف أنها حين قدمت للمرة الأولى في الثالث من أغسطس (آب) 1777 قدمت في قصر آل استرهازي المنيف، وكان المأخذ الأساس عليها أن ملحنها لم يكن أول من اشتغل عليها، بالنظر إلى أن غولدوني كان كتبها أصلاً للموسيقي غالوبي عام 1750، لتعرف بعد ذلك الحين ما لا يقل عن تلحينين أوبراليين لها حقق أولهما بيتشيني (1762) والآخر باييزيلو (1774)، ثم مرة أخرى عام 1783 بعد هايدن بأعوام.
والسؤال هنا: ما الذي جعل لهذه الأوبرا كل هذا الاهتمام؟ ثم لماذا غابت في النسيان بعد ذلك لتعود إلى دائرة الاهتمام أواسط القرن الـ20 ملقية أضواء كاشفة على هايدن كملحن أوبرالي؟إذاً قد يكون لا مفر لنا من اعتبار" عالم القمر" واحدة من أهم الأعمال المسرحية في تراث جوزيف هايدن، وليس فقط لأنها تكشف جانباً أقل شهرة من عبقريته الإبداعية، بحسب مؤرخي حياته وفنه، بل لأنها تمثل" ذروة نضج في فن الأوبرا الكوميدية في القرن الـ18".
والواقع أن أهم ما تظهره هذه الأوبرا هو الكيفية التي استطاع بها هايدن، وبحسب نفس المؤرخين أن يحول" القالب الكوميدي الخفيف إلى عمل موسيقي بالغ العمق والخيال"، والحكاية تقوم هنا على الخداع الذي يتعرض له رجل ساذج يقنعه المحيطون به أنه قد سافر إلى القمر.
صحيح أننا هنا أمام فكرة تحمل طابعاً هزلياً واضحاً، غير أن هايدن عرف كيف يضفي عليها أبعاداً موسيقية شاعرية، " جعلتها تتجاوز مجرد التسلية، فهو استخدم موسيقاه الباهرة كي يخلق عالماً متخيلاً بالفعل، بحيث يشعر المستمع أن الرحلة إلى القمر ليست مجرد خدعة مسرحية، بل تجربة خيالية رائعة تنتمي إلى عالم الأحلام".
ولعل من أبرز ما يميز هذا العمل براعة هايدن في التلوين الأوركسترالي، وذلك بدءاً من المقدمة الموسيقية التي اتسمت بطابع سيمفوني واضح راقٍ للنقاد الذين أشاروا إلى كون هذه المقدمة" تكشف عن الصلة العميقة التي عرف المؤلف السيمفوني الكبير كيف يقيمها مع المسرح الغنائي"، وهذا من دون أن يفوتنا كيف أن المشاهد الحلمية المرتبطة بالقمر قد أتت متسمة بألوان صوتية غير مألوفة في ذلك العصر، إذ استخدم الملحن الآلات والنغمات ليصنع جواً من الغموض والسحر.
وقد أشار النقاد حينها إلى أن" استخدام مقام مي بيمول على ضخامته في تلك المشاهد قد بدا مرتبطاً بعالم القمر والليل والحلم وكان توظيفه متقدماً بالنسبة إلى زمنه".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)كذلك تكشف هذه الأوبرا أيضاً كما يفيدنا نقاد ذلك الزمن المتحمسون عن قدرة الموسيقي على المزج بين الجد والهزل، فهناك شخصيات تنتمي إلى عالم الأوبرا الجادة (أوبرا سيريا)، ولكن هناك أيضاً شخصيات تنتمي إلى الأوبرا الشعبية (أوبرا بوفا) ومع ذلك استطاع هايدن أن يمزج بين كل تلك الشخصيات داخل نسيج موسيقي متماسك.
ومن المؤكد أن هذه الخاصية جعلت العمل يبدو كنوع من إرهاص مبكر بما ستتطور إليه الأوبرا لاحقاً في النمسا نفسها، ولا سيما على يد موتزارت في" عرس فيغارو"، حين تتداخل المشاعر الإنسانية العميقة مع الطابع الكوميدي الذي يكاد يبدو تهريجياً في بعض اللحظات.
وفوق ذلك كله تبرز أهمية" عالم القمر" في كونها دليلاً على أن هايدن" لم يكن فقط الأب الشرعي للسيمفونية الحديثة كما هو معروف، بل إنه كان أيضاً رجل مسرح يمتلك حساً درامياً متقدماً".
وصحيح أن أوبرا هايدن لم تحظَ بالشهرة نفسها التي نالتها أعمال موتزارت إلا أن هذه الأوبرا تحديداً عادت في العقود الأخيرة إلى خشبات المسارح العالمية، بعدما أدرك النقاد والفنانون قيمتها الفنية الكبيرة وكذلك بالتأكيد قيمتها التاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك