دائماً وأبداً ما يتهرب المخرجون والمنتجون من تقديم المسرح الموسيقي، نظراً إلى كلفته المالية الضخمة، بخاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية، إذ لا قبل للمواطن العادي، أو البسيط، بسعر تذكرة الدخول.
العرض المسرحي المصري" فرايدي" للمخرج أحمد البوهي كسر هذه الحال من العزوف عن الدخول في مغامرة، يعدها كثر ضرباً من الجنون، اللهم إلا إذا كان صناعها لديهم القدرة على تسويق عملهم بما يعوضهم، في النهاية، عن الملايين التي أنفقوها على إنتاجه، بخاصة إذا كان الإنتاج، هنا، يقوم على أفراد، لا مؤسسات، أي إنه مسرح خاص.
اختفى المسرح الخاص، أو كاد، من مصر، هو يقدم أحياناً، هنا أو هناك، ولكن على استحياء، وغالباً ما يكون إنتاجه محدوداً، ويعتمد الكوميديا الخفيفة، ويقدم لأيام معدودات، ثم يذهب إلى حال سبيله.
هنا مع" فرايدي، مسرح خاص، وموسيقي أيضاً، وهو ما كان محل ترحيب وتشجيع عدد من المسرحيين، الذين باركوا الخطوة، وأشاد بعضهم بها عبر كتابة مطولة، فضلاً عن اهتمام وسائل إعلام وقنوات فضائية شهيرة بالحدث.
في خلفية العرض معلومات مهمة تخص الإعداد له، فقد استغرق التحضير لهذا العرض الضخم عامين كاملين، إعلان عن ورشة لفرقة البوهي المسرحية، تقدم إليه كثر، واختارت لجان التقييم 200 شاب وفتاة، منهم من تخرج في معهد الفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، ومنهم من قدم بعض الأدوار في مسلسلات التلفزيون، بل منهم من أدى بطولة عروض مسرحية، أي أن من بينهم عدداً كبيراً من الموهوبين والدارسين وأصحاب الخبرة، وهو أمر جيد بالتأكيد.
الأكثر جودة كان وجود مدربين على أعلى مستوى، في التخصصات كافة، وهو ما انعكس على مستوى هؤلاء المتدربين.
إذاً نحن أمام مشروع كبير وطموح، ومغامر، في الوقت نفسه فكيف خاض المخرج أحمد البوهي وفريقه هذه المغامرة، هل كان الناتج على قدر الطموحات والآمال العريضة التي علقها كثر على هذه التجربة، أم أن بعضهم خابت آمالهم، ولم يأت العرض على قدر توقعاتهم؟إن أول وأبرز ما يستوقف المشاهد لهذا العرض هو الإبهار الشديد على مستوى الصورة المسرحية، سواء من ناحية الديكور أو الأزياء أو الاستعراضات، وحركة أكثر من 200 ممثل وراقص على خشبة المسرح في هارمونية شديدة الانضباط.
ظني أن الديكور تحديداً (تصميم حازم شبل بمعاونة يحيى صبيح ومحمد طلعت وعبدالمنعم المصري) كان العنصر الأكثر بروزاً في العرض، جمالياً ووظيفياً، مازجاً بين الواقعي والتعبيري، قادراً على الانتقال من منظر إلى آخر في لمح البصر، ومن دون اللجوء إلى الإعتام، على رغم أننا أمام مجسمات ضخمة لكازينو، ومحال تجارية، وشوارع تسقط بها الأمطار، وحجرات متحركة، ومصاعد كهربائية تصعد من أسفل الخشبة، وكواليس مسرح، وغيرها مما يتطلب جهداً فائقاً، في التصميم والتحريك، وبدا الأمر كما لو كنا أمام سينما لا خشبة مسرح.
الاستعراضات كذلك (تصميم عاطف عوض ورجوى حامد وسالي أحمد) احترافية عالية، وقدرة على توظيف هذه المجاميع في لوحات فنية مبهرة، وهو ما ينسحب أيضاً على الأزياء (غدير خالد) والموسيقى (إيهاب عبدالواحد، توزيع خالد الكمار ووجدي الفوي) جميعها عناصر توافر لها مبدعون أكفاء وأصحاب تجارب مهمة، فهل تكامل ذلك كله مع الدراما، وهل استطعنا القبض على طبيعة الشخصيات، هل تم بناء هذه الشخصيات ووضحت مراحل تطورها، أم أن العرض مر عابراً عليها، منشغلاً بالجمالي أكثر؟يلتقي الضابط الإنجليزي (ألفريد) راقصة مصرية (ورد) في القاهرة عام 1947، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، يشاهدها ضمن إحدى الفرق ويعجب بها، يمنحها عنوانه في لندن، ويخبرها أنه سيفتتح كازينو اسمه (فرايدي) يضم فنانين من دول عدة، ويريدها أن تنضم إليهم، تسافر الفتاة، التي لم ينبئنا العرض سوى أنها راقصة في إحدى الفرق، إلى لندن وتذهب إلى الكازينو لكنها تفاجأ أن ألفريد مات، وأن هناك شركاء سبعة يديرون الكازينو، يرفض كل منهم مقابلتها، لكنها تشك في أن ألفريد مات مقتولاً على يد أحدهم، فتتنكر في شخصيات عدة وتلتقي كلاً منهم بمفرده في محاولة لاكتشاف القاتل، وهنا ينتهي الجزء الأول من المسرحية بحسب إشارة صناع العرض.
هذه هي الحكاية باختصار، والشركاء السبعة هنا يمثلون الخطايا السبع، كما اتضح من سياق العرض، الذي نفهم من فحواه في النهاية، أن باستطاعة الفن إحلال السلام والمحبة في العالم بأسره.
ليس مطلوباً من عرض غنائي موسيقي أن يناقش قضايا كونية معقدة، طبيعي أن يكتفي بفكرة بسيطة، ويقدمها في قالب غنائي استعراضي مبهج ومسل، ويحمل مضموناً في النهاية، لكن هناك أسئلة عدة، لماذا أساساً هذه الأجواء الغربية في عرض مصري يريد صناعه إحياء هذا النوع، الذي بدأه سلامة حجازي عام 1885، وازدهر فترة طويلة ثم تراجع، إحياؤه بشكل متطور بالتأكيد، وليس كما قدم في القرن الـ19.
لماذا ضابط إنجليزي تحديداً، صحيح أن المخرج حرص على تقديم تاريخه من خلال شاشة السينما، وهو اختيار جيد وموفق، وعلمنا أنه كان يمارس الفن قبل أن يتم تجنيده في جيش بلاده لخوض الحرب، وهي في ظني تفصيلة لا لزوم لها، ما الذي يضير لو كان شاباً إنجليزياً عادياً، ومنهم من كان يقيم في مصر، المحتلة من قبل الإنجليز وقتها، ما الدلالة التي يمكن أن نخرج بها من كون الشاب ضابطاً وليس مواطناً عادياً، أو لماذا هو أجنبي أصلاً، وهل لو دارت الأحداث في أجواء مصرية كانت الأمور ستختلف.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أيضاً هل استطاعت الأغاني والموسيقى والاستعراضات المبهرة والمتقنة، أن تدفع باتجاه تطوير الأحداث، أم أن معظمها كان مجرد حلية في العرض يمكن الاكتفاء بالقليل منها، صحيح أنها أظهرت براعة المخرج في قيادة كل هذا العدد من الممثلين والراقصين، وتوظيفهم بشكل جيد، لكنها أحدثت نوعاً من التراكم، لا نوعاً من النمو، لذا فقدت، في ظني، قيمتها وضرورتها داخل العرض، التراكم يضرب الدراما في مقتل.
فكرة العرض وضعها مخرجه أحمد البوهي، وصاغها درامياً محمد السوري، وشعرياً مؤمن المحمدي وطارق علي، والكتاب الثلاثة من أصحاب الخبرة والموهبة، لكن الناتج النهائي، وهذا أمر مستغرب، لم يكن بالجودة والعمق الكافيين، وبدت الدراما واهنة وغير جاذبة أو مشوقة، وفيها من الثغرات الكثير، ووصلت في بعض الحالات إلى نوع من السذاجة الفنية، غير المتوقعة في عرض ضخم كهذا.
لماذا لم تلق الدراما العناية الكافية في عرض توافرت له كل هذه الإمكانات، وكل هؤلاء المبدعين أصحاب التجارب المهمة والجيدة.
أعرف أن العرض يتوجه إلى جمهور بعينه، قادر على ارتياد مثل هذا النوع من المسرح، وأن العرض لا يخاطب النخبة المسرحية أو المثقفة عموماً، وهذا أمر لا غبار عليه، بل إنه مطلوب، فمن حق هذه الفئة أن تنعم بمسرح موسيقي ممتع ومسلٍّ وبه فكرة مبنية بشكل بسيط لا سطحي، لكن لماذا إتقان كل العناصر والعناية الفائقة بها، من دون الاهتمام بأهم عنصر وهو الدراما، هذا هو السؤال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك