عمان - الغد- لطالما ارتبط منتخب التشيك بدور الحصان الأسود في البطولات الكبرى، وهو الدور الذي يناسبه تاريخيا وربما يمنحه فرصة جديدة لمفاجأة الجميع في كأس العالم المقبلة.
غير أن الواقع يشير إلى أن المنتخب لا يمتلك الكثير من الأدوات التي تسمح له بمقارعة كبار اللعبة على أساس فني بحت.
اضافة اعلانفمنذ سنوات طويلة يعاني الفريق من نقص واضح في اللاعبين أصحاب المهارات التقنية العالية، ويعتمد بشكل كبير على القوة البدنية، والانضباط التكتيكي، والروح القتالية، والكرات الثابتة.
وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الملحق الأوروبي المؤهل إلى كأس العالم، عندما واجه المنتخب التشيكي كلا من جمهورية أيرلندا والدنمارك.
ففي المباراتين احتاج الفريق إلى ركلات الترجيح لحسم التأهل بعد مواجهتين اتسمتا بالصراع البدني والجهد الكبير أكثر من الجودة الفنية.
ورغم نجاح المهمة في النهاية، فإن تلك المباريات كشفت الكثير من نقاط القوة والضعف في تشكيلة المنتخب.
ومع اقتراب موعد النهائيات، تبرز تحديات إضافية أمام المنتخب التشيكي.
فبطولة كأس العالم المقبلة لن تختبر قدرات الفرق داخل الملعب فقط، بل ستضعها أمام ظروف استثنائية تتعلق بالسفر لمسافات طويلة واختلاف المناطق الزمنية واللعب على ارتفاعات شاهقة.
وتحيط علامات استفهام عديدة بقدرة المنتخب على التأقلم مع خوض مباراتين في المكسيك على ارتفاع يقارب ألفي متر فوق سطح البحر، خصوصا أن مقر إقامة الفريق سيكون في مدينة دالاس الأميركية، ما يعني تنقلات مرهقة وظروفا مناخية مختلفة.
ورغم هذه التحديات، يمتلك المنتخب التشيكي مجموعة من اللاعبين أصحاب الخبرة في المراكز الأساسية.
ويظل لاعب الوسط توماش سوتشيك القائد الحقيقي للفريق داخل أرض الملعب، حتى وإن جرى سحب شارة القيادة منه مؤخرا.
وجاء ذلك القرار بعد واقعة أثارت جدلا واسعا عندما لم يتوجه اللاعبون لتحية الجماهير عقب الفوز الكاسح على جبل طارق بستة أهداف دون رد.
وفي بيان رسمي، أوضح الاتحاد التشيكي لكرة القدم موقفه قائلا: " للمشجعين كامل الحق في التعبير عن عدم رضاهم عن مستوى الفريق في المباريات الأخيرة.
وكان ينبغي أن يكون رد فعل اللاعبين معاكسا تماما، إذ كان عليهم التوجه لشكر الجماهير الداعمة".
وعلى إثر ذلك، جرى تعيين المدافع لاديسلاف كرييتشي قائدا جديدا للمنتخب.
وأثبت كرييتشي، مدافع وولفرهامبتون الإنجليزي المعروف بقوته في الالتحامات، أنه يستحق الثقة الممنوحة له.
فقد سجل هدفا في كل مباراة من مباراتي الملحق، كما لعب دورا قياديا مهما في دفع الفريق نحو التأهل.
أما في الخط الأمامي، فيبقى باتريك شيك السلاح الرئيس للمنتخب، خاصة بعد أن تحسنت حالته البدنية بشكل ملحوظ مع باير ليفركوزن خلال الأسابيع الأخيرة من موسم 2025-2026.
ولم يكن طريق المنتخب التشيكي إلى كأس العالم مثاليا.
فقد شهدت التصفيات واحدة من أكثر اللحظات إحراجا في تاريخ الكرة التشيكية، عندما تعرض الفريق لهزيمة تاريخية أمام جزر فارو.
وكانت تلك النتيجة كافية للإطاحة بالمدرب إيفان هاشيك، الذي دفع ثمن التراجع الكبير في الأداء والنتائج.
لكن الأمور بدأت تتغير تدريجيا بعد وصول ميروسلاف كوبيك إلى منصب المدير الفني.
فقد نجح المدرب المخضرم في إعادة الانضباط والثقة إلى الفريق، وظهرت مؤشرات واضحة على تحسن الأداء الجماعي والروح المعنوية.
ومن المتوقع أن تضم التشكيلة الأساسية مزيجا من اللاعبين المحترفين في الدوري الإنجليزي الممتاز والدوريات الأوروبية الكبرى، إلى جانب عدد من الأسماء المتألقة في الدوري التشيكي.
وتشهد حراسة المرمى منافسة قوية للغاية بين ماتيي كوفار، الذي ساهم في تتويج بي إس في آيندهوفن بلقب الدوري الهولندي وأنقذ ركلتي ترجيح في الملحق المؤهل للمونديال، وبين لوكاش هورنيتشيك حارس سبورتنغ براغا البرتغالي الذي يواصل الضغط بقوة للحصول على مركز أساسي.
وفي الجانب الإبداعي، يعول المنتخب على لوكاش بروفود وبافيل شولتس لصناعة الفارق وابتكار الحلول الهجومية.
أما الهدف الواقعي للفريق فيتمثل في تجاوز دور المجموعات، وهو إنجاز سيعتبر نجاحا مهما في ظل الظروف الحالية.
كان ميروسلاف كوبيك مرشحا ليصبح أكبر مدرب يقود منتخبا في كأس العالم بعمر 74 عاما، قبل أن يقرر منتخب كوراساو إعادة تعيين المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، الأكبر منه بأربع سنوات.
ومع ذلك، فإن كوبيك يعيش حاليا واحدة من أفضل فترات مسيرته التدريبية.
ولم يصل المدرب التشيكي إلى القمة بسهولة.
فقبل أن يصبح اسما معروفا في كرة القدم الأوروبية، كان يعمل وسيطا للتأمين بالتوازي مع تدريب أندية الدرجات الدنيا في بلاده حتى تجاوز الخمسين من عمره.
ومن هناك بدأ رحلة صعود طويلة ومضنية أوصلته تدريجيا إلى دوري الأضواء.
وتولى لاحقا تدريب أندية كبيرة داخل التشيك مثل سلافيا براغ وفيكتوريا بلزن، وحقق أبرز إنجازاته عندما قاد الأخير للفوز بلقب الدوري التشيكي عام 2015.
وكان عليه حينها الوفاء بوعد قطعه للاعبيه بالحصول على وشم صغير على ذراعه تخليدا لذلك الإنجاز التاريخي.
ويشتهر كوبيك بقدرته على استخراج أقصى ما يمكن من الإمكانات المتاحة لديه، مهما كانت محدودة.
كما أنه يواكب تطورات اللعبة الحديثة ويستخدم البيانات والإحصاءات في عمله اليومي.
ويحظى باحترام اللاعبين والجماهير ووسائل الإعلام على حد سواء، ليس فقط بسبب إنجازاته، بل أيضا بفضل حسه الفكاهي الجاف الذي يضفي أحيانا أجواء مرحة على المؤتمرات الصحفية المملة.
يبقى باتريك شيك الاسم الأهم في كرة القدم التشيكية حاليا، والمرجع الأول للمنتخب على المستوى الهجومي.
ويجمع مهاجم باير ليفركوزن بين التحركات الذكية واللمسة التهديفية القاتلة، ما يجعله قادرا على حسم المباريات بمفرده في كثير من الأحيان.
ورغم أن الإصابات أثرت أحيانا على استمراريته وإيقاعه التنافسي، فإن موهبته لم تكن موضع شك أبدا.
وبرز شيك عالميا خلال بطولة أمم أوروبا 2020 عندما سجل خمسة أهداف، من بينها هدف تاريخي من منتصف الملعب في مرمى اسكتلندا، اعتبره كثيرون واحدا من أجمل أهداف البطولة عبر تاريخها.
وبالنسبة للمنتخب التشيكي، لا يمثل شيك مجرد هداف الفريق الأول، بل اللاعب الذي يثير أكبر قدر من القلق لدى المنافسين.
ويؤكد تسجيله 16 هدفا في الدوري الألماني خلال موسم 2025-2026 أنه يصل إلى كأس العالم في أفضل حالاته الفنية.
تحول بافيل شولتس بسرعة كبيرة إلى أحد أبرز رموز الجيل الجديد في الكرة التشيكية.
وبعد تألقه اللافت مع فيكتوريا بلزن، انتقل لاعب الوسط الهجومي إلى ليون الفرنسي العام الماضي، حيث قدم موسما أول استثنائيا في الدوري الفرنسي.
ويمتلك شولتس القدرة على اللعب بين الخطوط وإرباك المدافعين بفضل مهاراته الفنية العالية وتحركاته غير المتوقعة.
كما يتميز بقدرته على التسجيل وصناعة الفرص والضغط القوي على المنافسين.
ويقدر جمهور ليون كثيرا ذكاءه التكتيكي وفعاليته أمام المرمى، وبينما قد لا يكون اسمه معروفا على نطاق واسع خارج فرنسا والتشيك حاليا، فإن كأس العالم قد تكون المنصة المثالية لتحويله إلى نجم عالمي.
نادرا ما يحظى توماش هوليش بالعناوين الرئيسة خارج التشيك، لكنه يعد من أكثر اللاعبين تقديرا لدى المدربين وزملائه في الفريق.
ويتميز لاعب سلافيا براغ بذكائه التكتيكي وانضباطه الكبير، كما يستطيع اللعب في خط الوسط أو الدفاع بالكفاءة نفسها.
ويقوم هوليش بالكثير من الأعمال غير المرئية التي تسمح للاعبين الأكثر إبداعا بالتألق.
فهو يغطي المساحات، ويفوز بالكرات الثانية، ويحافظ على توازن الفريق عندما يتعرض للضغط.
وما يزال المشجعون التشيك يتذكرون مستواه الرائع في بطولة أمم أوروبا 2020، عندما نجح في الحد من خطورة عدد من النجوم الكبار، بل وسجل أيضا في مباراة الدور ثمن النهائي أمام هولندا.
وقد لا يكون نجما جماهيريا، لكنه النموذج المثالي للاعب الذي يحتاج إليه أي فريق ناجح.
من غير المرجح أن تسافر الجماهير التشيكية بأعداد ضخمة كما تفعل جماهير إنجلترا أو الأرجنتين أو المكسيك.
لكن المشجعين الذين سيقررون خوض الرحلة إلى أميركا الشمالية معروفون بشغفهم الكبير وحماسهم الصاخب، إلى جانب حبهم التقليدي للبيرة، وإن كان ذلك بعيدا عن أي مظاهر عنف.
وعادة ما تردد الجماهير هتافات بسيطة مثل" تشيشي دو توهو"، والتي تعني" هيا يا تشيك".
وتتميز الأجواء التي يصنعونها بمزيج من الدعابة السوداء والسخرية من الذات والطابع الودي.
كما أن أعمال الشغب والعنف نادرة للغاية في مباريات المنتخب الوطني مقارنة بما يحدث أحيانا على مستوى الأندية.
وبالنسبة لكثير من الجماهير، فإن مجرد التأهل إلى كأس العالم كان سببا كافيا للاحتفال، خصوصا أن الظروف الاقتصادية تعني أن عددا محدودا فقط سيتمكن من تحمل تكاليف السفر إلى الولايات المتحدة والمكسيك.
أما الذين سيحضرون، فمن المؤكد أنهم لن يمروا بصمت.
وبشكل عام، تعد التشيك من أكثر الدول المؤيدة للولايات المتحدة في أوروبا الوسطى، ويرجع ذلك إلى العلاقات التاريخية التي تعززت بعد الثورة المخملية العام 1989، ثم انضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي بعد ذلك بعشر سنوات.
صحيح أن الرئيس التشيكي الحالي، بيتر بافيل، وجه انتقادات حادة إلى دونالد ترامب في مناسبات عدة، ووصفه في إحدى المرات بأنه" إنسان بغيض حقا"، إلا أن هذه المواقف السياسية لن تكون محور اهتمام الجماهير التشيكية خلال البطولة.
فالمشجعون الذين سيشدون الرحال إلى أميركا الشمالية سيكونون منشغلين بدرجة أكبر بأسعار التذاكر وتكاليف الإقامة والمواصلات، أكثر من اهتمامهم بالنقاشات السياسية.
وفي النهاية، سيكون التركيز منصبا على دعم المنتخب الوطني ومحاولة تحقيق مفاجأة جديدة تضاف إلى سجل الكرة التشيكية الحافل بالقصص غير المتوقعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك