يبدو البعض مرشحاً للوقوع فى قبضة الشخصيات «التجنبية» أكثر من غيرهم، والتجنبى الذى أتحدث عنه هنا هو ذلك الشخص الذى يمنحك تواصلاً عظيماً ومشاعر رائعة، ثم لا يلبث ينسحب، تلك الشخصية التى لا تشعر بالارتياح للقرب العاطفى الشديد، وتنسحب مع تصاعد الالتزام والحميمية، وتفضل حل المشكلات وحدها، حسناً.
التجنبى هو ذلك الشخص الذى يقلل من احتياجاتك العاطفية، تماماً كما يقلل من احتياجاته العاطفية، لا تحصل معه أبداً على شىء كامل، بل على ما تعبر عنه كاتبة الرواية الأخيرة التى قرأتها بقولها: «نصف القلب، ونصف الكلمة الغامضة، ونصف المسافة.
كأن كل ما بيننا كتب على هيئة نصف لا ليبقى ناقصاً بل ليذكرنا أننا كنا نبحث عن التمام».
فى البداية، سوف تنخدع بحجم الثقة فى النفس، الاتزان العاطفى، النضج غير المسبوق، والحرص الشديد فى الحفاظ على المسافات، يمنحون حضوراً رائعاً فى البداية، ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلى جرعات متقطعة ليبدأ «الإدمان»، لكن ما الذى يحدث لك حقاً إن وقعت يوماً فى حب شخصية تجنبية؟ هذا بالضبط ما تشرحه هبة حافظ هجرس فى روايتها «عيب أحبه» الصادرة عن دار «الآن ناشرون وموزعون».
«تعلقت بك كثيراً، وأتمنى أن تحبينى، بل أن تحبينى جداً»، بلغة وسرد استثنائيين تبدأ القصة مع امرأة حالمة، ووحيدة، تؤمن بالإشارات وتملك من الحدس ما يمنحها رسائل استثنائية قد لا تصل إلى سواها، تعثر، أو ربما «تتعثر» فى ذلك الرجل، من دون مقدمات، فى رحلة تمتد إلى سبعة أيام، لقاء بدا رائعاً للدرجة التى لم تعد من بعده كما كانت أبداً، تواصل روحى، اهتمام عظيم، لطف استثنائى، ثم اختفاء تام، هكذا ينقلب عالمها، لتدخل فى ذلك الصراع المرير الذى تعيشه ملايين النساء، بين ما يهواه القلب وما يفرضه الواقع الحزين: «لا يوجد حب عظيم».
علاقة تجنبية مثالية تصلح كدراسة حالة دقيقة، فرغم وعيها الكامل بأن القصة منتهية وأنه لا أمل، إلا أن ثمة بوابة مخيفة تعيد المؤذين إلى عوالم الناجين بسهولة مدهشة، هى بوابة الأحلام، مسألة تعبر عنها الكاتبة ببراعة حين تقول: «أنا التى تعودت مواجهة الحياة بيقظة تامة، وجدتنى فجأة أرتعش بين النوم والصحو، الذاكرة تنتفض، كأن كل محاولات النسيان كانت عبثاً، وكل ما ظننته طوى، ما زال حياً يتنفس، كنت قد أغلقت كل الأبواب التى تؤدى إليك، حذفت كل شىء، صورك، رسائلك، حتى صوتك، خبأته فى غرفة معتمة من ذاكرتى، تذكرت ذلك السؤال العابر الذى قلته دون انتباه، ذلك الذى علقته فى جدار التأويل، كنت أظننى تجاوزتك، كنت أقول «انتهى» لكن الطيف يأبى، كل حرف منك محفور، والقلب لا يعرف «الحذف» هو يخبئ ويحرس ما نجا منا، لا أعرف إن كنت أبكيك أم أبكى قدرى الذى أدخلنى الحب من باب النقاء».
يبدو البعض ضحايا مثاليين للعلاقات التجنبية، أصحاب نمط التعلق القلق، هؤلاء الذين يبحثون عن القرب والاطمئنان باستمرار، فيتأثرون بالرسائل المتأخرة والغموض، والأشخاص ذوى التعاطف العالى، الذين يلتمسون الأعذار، ويمنحون الأسباب مجاناً، كذلك هؤلاء الذين عانوا عدم الاستقرار العاطفى فى الطفولة، هكذا يختلط الغموض مع الحب، فيضفى جاذبية استثنائية: «فى حضور مَن يشبهنا، لا نحتاج إلى أن نتكلم كثيراً، يكفينا أن نحمل البحر فى أعيننا، ونترك للموج أن يكمل الحكاية».
لكن هل يفيد الوعى؟ أقصد هل يمكن أن يلتقط الأذكياء الأمر ويضعون حداً مبكراً للمأساة، مسألة تجيب عنها «هبة» بقولها: «آه من القدر حين يحركنا بلين خفى ويصنع من الصدفة معنى، وآه من الزمن حين يختزل كل شىء فى لحظة، ويطيل ما لا نحتمل» هكذا تصف بدقة مدهشة ما يعتمل هناك بالداخل، بلغة شاعرية رائعة، بينما يصف العلم ما يجرى، حيث يؤدى غياب النهايات الواضحة إلى إبقاء العقل فى حالة من العمل المتواصل لمحاولة ملء الفراغات والبحث عن تفسيرات، وهذا ليس ضعفا، فمهما بلغت درجة الوعى، تظهر أبحاث فى علم النفسى المعرفى أن الأحداث غير المكتملة تميل إلى البقاء أكثر فى الذاكرة من الأحداث التى أغلقت بشكل واضح، وهى ظاهرة تعرف باسم تأثير «زايغارنيك».
تواصل «هبة» التعبير ببراعة: «كأن الله أراد أن أختبر فيك وجعاً قديماً، أو فرحاً معلقاً، أو حباً لا يكتمل إلا ليكمل شيئاً فى داخلى لم أكن أعرفه»، لكن الحقيقة من صنع صاحبها، فإما أن تكون مرة، أو تكون رائعة، أو كما تقول هى: «كل غائب قد حضر ليعلمك شيئاً، ولو عاد سيكون قد تغير، وإن لم يعد، فأنت بالفعل تغيرت، وذلك أعظم من أى لقاء».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك