وُصف مشروع القانون الذي أقرّته الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، في الشهر الماضي (مايو/ أيار)، بالقراءة الأولى، ويتضمّن إقامة سلطة آثار إسرائيلية تُعنى بالمواقع الأثرية في الضفة الغربية المحتلة، بأنه أول قانون إسرائيلي رسمي ينصّ على ضم الضفة.
وقد قدّمه عضو من حزب الليكود، ويقضي بإقامة ما تسمّى" سلطة آثار يهودا والسامرة"، على أن تخضع لمسؤولية وزير التراث الإسرائيلي، وتمنح صلاحيات واسعة تشمل الاستيلاء على أراضٍ، وإدارة الحفريات الأثرية، وإنفاذ القوانين المتعلقة بالآثار في المناطق المصنفة ب وج.
وبحسب مشروع القانون، تنقل إلى السلطة الجديدة صلاحيات" ضابط الآثار" المُعيّن من وحدة" الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي، لتكون مسؤولة حصراً عن جميع شؤون التراث والآثار في الضفة.
وكانت مداولات سابقة جرت في الكنيست، خلال فبراير/ شباط الماضي، كشفت عن أن مشروع القانون ينطوي على توجّه لتوسيع عمل السلطة الجديدة ليشمل قطاع غزّة، وتغيير اسمها إلى" سلطة آثار يهودا والسامرة وغزّة".
ما يُسعى إليه من وراء مشروع القانون هذا هو الدفع بمخططات الضم الزاحف، وتحويل صلاحيات ذلك من المستوى العسكري إلى المستوى المدني.
ففي الوضع الحالي، تخضع إدارة المواقع الأثرية في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي تماشياً، في الباطن، مع كونها منطقة محتلة بموجب القانون الدولي.
ونقل هذه الصلاحيات بالكامل إلى سلطة آثار مدنية تتبع مباشرة لوزارة التراث الإسرائيلية، يعني إخضاع أراضي الضفة إلى القانون المدني الإسرائيلي، وهو ما يُعدّ خطوة ضم فعلي بأمر الواقع، وفصل ملف الآثار عن سلطة الجيش الإدارية.
كما يمنح القانون الجديد الهيئة الإسرائيلية المقترحة صلاحية التدخل، وفرض الرقابة، ومنع البناء بالقرب من أو فوق أي موقع تصنّفه تراثياً حتى داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وهو ما يعني الاعتداء على الهيكلية الإدارية والسياسية لاتفاقيات أوسلو.
علاقة علم الآثار الإسرائيلي بالاحتلال وتوسعة الاستيطان والاستيلاء على الأرض قائمة منذ احتلال الضفة الغربية في 1967، حيث أجرى" الضابط المسؤول عن الآثار في الإدارة المدنية" حفرياتٍ، وأجرت سلطة الآثار استقصاءات، وأقامت منظمات مرتبطة بالمستوطنين حدائق أثرية، وعملت في التنقيب عن الآثار هناك حملات استكشافية من منظمات إنجيلية من الولايات المتحدة، وأصبح علم الآثار أداة لقمع الفلسطينيين وإبعادهم عن أرضهم، وتثبيت الرواية التاريخية الملفقة بشأن" حق اليهود التاريخي" في المنطقة.
وسبق لتقارير صادرة عن منظمات حقوق إنسان فلسطينية وإسرائيلية أن أشارت إلى أن الأعوام الأخيرة عرفت ارتفاعاً بنسبة نحو 165% في أوامر هدم منازل الفلسطينيين، بحجّة أنها مبنية فوق مواقع أثريّة.
ووفقاً لهذه التقارير، مناطق الضفة الغربية مليئة بالآثار والمخلفات الأثرية وتذكّر بالتّاريخ الغني والمتنوّع الذي عرفته المنطقة، ولكنّ دولة الاحتلال لا تهتم سوى بإثبات روايتها التاريخيّة، ولذا تعمل من خلال مجال الآثار لإثبات العلاقة التاريخيّة والدينيّة والثقافيّة لليهود فقط في منطقة الضفة الغربيّة، وبذلك تحاول مراكمة المبرّرات من أجل استمرار سياسات الاستيلاء والاحتلال والسيطرة الإسرائيلية في هذه المنطقة.
وفي ضوء مشروع القانون الجديد، أعيد التذكير بمسألتين: الأولى، أن القانون الدولي يلزم المُحتل بالحفاظ على المواقع الأثريّة في المناطق المحتلّة وحمايتها.
ولكن إسرائيل تعطي لنفسها صلاحيات واسعة من خلال خرق واضح للقانون الدولي.
وجميع النشاطات الإسرائيلية بمجال الآثار بالضفة تُسخّر لخدمة فكرة الاستيلاء وتنسيب مقارباتها إلى وجهة إعادة بلورة الرواية التاريخيّة بطريقة تبرز روابط دولة الاحتلال بالمواقع الأثريّة، وتطمس الدور التاريخي لشعوب وحضارات أخرى.
المسألة الثانية متعلقة بعلماء الآثار الإسرائيليين الذين يخونون واجبهم العلمي.
وما تنبغي الإشارة إليه أن المحكمة الإسرائيلية العليا أقرّت عام 2019 قرار" الضابط المسؤول عن الآثار في الإدارة المدنية" بأن تبقى طيّ السريّة التامة هوية علماء الآثار الذين يشاركون في أعمال الحفر في مناطق الضفة الغربية، والمعلومات حول أين يُخزّن ما يعثرون عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك