لم يكن الأستاذ أحمد صير يتوقع، وهو يصور مقطعي فيديو قصيرين داخل قاعة درس خالية من التلاميذ بثانوية أبي بكر الصديق بمدينة تطوان، أن يجد نفسه بعد أشهر معتصما أمام مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، وأن يتحول ملفه من قضية إدارية مرتبطة بالتوقيف عن العمل إلى قضية رأي عام وصلت أصداؤها إلى البرلمان واستدعت تدخلا شخصيا من وزير التربية الوطنية.
فبعد أكثر من سبعة أشهر من التوقيف عن العمل وتعليق أجرته وتعويضاته العائلية، وجد الأستاذ نفسه في مواجهة أوضاع اجتماعية صعبة أثرت على أسرته المكونة من زوجته وخمسة أبناء، وعلى رأسهم ابنه الأصغر رامي الذي يعاني من مرض نادر ويحتاج إلى متابعة طبية مستمرة وعملية جراحية.
غير أن صباح أمس الثلاثاء، لم يكن صباحا عاديا أمام مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بتطوان، فبعد ساعات من الاعتصام الذي خاضه الأستاذ، أعلن أحمد صير تعليق احتجاجه إثر جلسة حوار جمعته بمديرة الأكاديمية، حملت وعودا بحلحلة ملفه الاجتماعي والإداري، فيما أُبلغ بأن وزير التربية الوطنية سيتكفل شخصيا بملف علاج ابنه رامي.
وبينما كان الاعتصام يطوى صفحته الأخيرة، بدأت ملامح الانفراج تظهر على أرض الواقع، فبعد يوم واحد من الحوار الذي أنهى الاحتجاج، أرسل الأستاذ ملف ابنه الطبي وطلب الاستعطاف إلى وزير التربية الوطنية، قبل أن يتلقى اتصالا لتحديد موعد بإحدى المصحات مع طبيب مختص للشروع في ترتيبات العملية الجراحية لابنه رامي، متحدثا عن قرب عودته إلى القسم الدراسي، وفق ما كشفه الأستاذ لجريدة “العمق”.
خلال اعتصامه أمام الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بتطوان، روى أحمد صير، في تصريح لجريدة “العمق”، تفاصيل المسار الذي أوصله إلى هذه المحطة.
يقول أحمد إنه أوقف عن العمل منذ 29 أكتوبر 2025، قبل أن يمثل أمام المجلس التأديبي يوم 5 فبراير 2026، دون أن يتوصل، بحسب روايته، بأي قرار نهائي أو مبررات واضحة للتوقيف إلى حدود اليوم.
إقرأ أيضا: بعد تعليق اعتصامه.
وزير التعليم يباشر إجراءات علاج ابن أستاذ تطوانوأوضح المتحدث أن قرار التوقيف تضمن في البداية توقيف الأجرة مع الإبقاء على التعويضات العائلية، غير أنه فوجئ لاحقا بتوقف هذه التعويضات بدورها، وهو ما فاقم الوضع الاجتماعي لأسرته.
وبخصوص أسباب التوقيف، أوضح صير أن الأمر يرتبط بمقطعين مصورين نشرهما على مواقع التواصل الاجتماعي، صُورا داخل القسم الدراسي خارج أوقات العمل وفي غياب التلاميذ.
وأضاف أن الفيديو الأول تناول فيه ما وصفها بالإكراهات والمشاكل التي تعيشها المنظومة التعليمية، من قبيل تقادم بعض المقررات والكتب المدرسية والصعوبات التي يواجهها نساء ورجال التعليم داخل عدد من المؤسسات التعليمية.
أما الفيديو الثاني، فأثار جدلا أكبر بعدما تطرق فيه إلى طريقة التعامل مع احتجاجات شباب “جيل زد”، معبرا عن انتقاده لاعتقال المحتجين، ومقارنة ذلك بالمقاربات التربوية التي تعتمدها المؤسسات التعليمية في التعامل مع التلاميذ الذين تصدر عنهم سلوكات عنيفة.
وقال الأستاذ إن المجلس التأديبي ناقش نقطتين أساسيتين، تتعلق الأولى بالتصوير داخل القسم دون ترخيص، والثانية بالبقاء داخل المؤسسة خارج أوقات العمل، موضحا أنه قدم توضيحاته واعتذاره بشأن الأمرين.
وشدد المتحدث على أنه لم يكن يعلم بوجود مسطرة ترخيص خاصة للتصوير داخل القسم، خصوصا في ظل العدد الكبير من مقاطع الفيديو التي ينشرها الأساتذة داخل أقسامهم والموظفين داخل مقرات عملهم، دون أن يتم توقيف أي أحد منهم، لافتا إلى أن بقاءه داخل المؤسسة بعد انتهاء الحصص ترتبط أيضا بترتيب أغراضه وتجهيزات القسم.
لكن الملف لم يبق محصورا في الجوانب الإدارية والتأديبية، فمع مرور الأشهر، بدأت تداعيات التوقيف تنعكس بشكل مباشر على الوضع الصحي لابنه الأصغر رامي الذي يعاني من مرض نادر يتمثل في شلل جزئي بإحدى رجليه، ويحتاج إلى رعاية طبية خاصة وعملية جراحية معقدة.
وفي حديثه لـ”العمق”، كشف صير أن ملف علاج ابنه تعرض للرفض لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بسبب وضعيته الإدارية وما ترتب عنها من توقف التعويضات والتغطية المرتبطة بها.
وكانت هذه النقطة بالذات هي التي دفعت الأستاذ إلى اتخاذ قرار الاعتصام أمام الأكاديمية، فبالنسبة إليه، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالعودة إلى العمل أو استرجاع الأجرة، بل بضمان استمرار علاج طفله الذي وجد نفسه متأثرا بشكل غير مباشر بإجراءات إدارية تخص والده.
سرعان ما تحولت قضية الأستاذ صير إلى موضوع نقاش واسع داخل الأوساط التعليمية والحقوقية، وقضية رأي عام بعد دخول برلمانيين وحقوقيين ونقابات على خط الملف.
يقول صير إنه تفاجأ بحجم التضامن الذي حظي به من طرف الأساتذة والأستاذات بمدينة تطوان وخارجها، معتبرا أن الدعم الذي تلقاه لعب دورا أساسيا في إيصال الملف إلى الرأي العام.
وشهد اعتصامه حضور عدد من الأساتذة والنقابيين والحقوقيين، كما زاره ممثلون عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في وقت استمرت فيه التعبئة على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإنصافه وتمكين ابنه من مواصلة العلاج.
ومع اتساع دائرة التضامن، وصل الملف إلى المؤسسة التشريعية، بعدما أثار الملف البرلماني والأمين العام لحزب الحركة الشعبية والوزير السابق، محمد أوزين، خلال جلسة مساءلة رئيس الحكومة بمجلس النواب، أول أمس الإثنين.
كما وجه المستشار البرلماني خالد السطي سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية حول تداعيات قرارات التوقيف على الأوضاع الاجتماعية والصحية لبعض الأساتذة، مستحضرا حالة أحمد صير وما ترتب عنها من حرمان من الأجرة والتغطية الصحية والتعويضات العائلية.
الاعتصام.
بداية الانفراجبعد ساعات قليلة من بداية الاعتصام الذي استمر إلى وقت متأخر من مساء الإثنين واستؤنف صباح اليوم الموالي (أمس الثلاثاء)، حملت جلسة الحوار التي جمعت الأستاذ المعتصم بمديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مؤشرات انفراج في الملف.
وأعلن أحمد الصير تعليق اعتصامه، مؤكدا أن مديرة الأكاديمية أبلغته بأن وزير التربية الوطنية سيتكفل شخصيا بملف ابنه رامي، وأن الوزارة ستواكب مساره العلاجي.
وقال إن المديرة استحضرت البعد الإنساني في الملف ووعدت بالعمل على إيجاد حلول للوضعية الاجتماعية التي يعيشها، خاصة ما يتعلق بالتعويضات الاجتماعية.
كما عبر عن شكره لكل من سانده خلال هذه المرحلة، مؤكدا أن “رامي لم يعد ابني وحدي، بل أصبح ابن الجميع”، قبل أن يضيف أن مكانه الطبيعي يظل داخل القسم الدراسي وليس أمام مقر الأكاديمية.
وفي آخر تطورات الملف، كشف الأستاذ أحمد صير، في تصريح لـ”العمق” اليوم الأربعاء، أنه وجه، مساء أمس الثلاثاء، ملف ابنه الطبي وطلب الاستعطاف إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تنفيذا لما تم الاتفاق عليه خلال جلسة الحوار مع مديرة الأكاديمية.
وأضاف أن مصالح الوزارة تواصلت معه بالفعل، وتم تحديد موعد له بإحدى المصحات مع طبيب مختص للشروع في الإجراءات والترتيبات المرتبطة بالعملية الجراحية التي يحتاجها ابنه رامي، معتبرا أن هذه الخطوة تجسد وفاء الوزير بالالتزام الذي قُدم له خلال الاعتصام.
كما أكد الأستاذ أن المؤشرات الحالية توحي بقرب طي ملفه الإداري وعودته إلى القسم الدراسي، معربا عن شكره لوزير التربية الوطنية ولكل المتدخلين الذين ساهموا في الوصول إلى هذه المرحلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك